التعاون القضائي الدولي وحماية مصالح لبنان
بقلم: أ.د. منى الأشقر جبور
التعاون القضائي الدولي
تحول التعاون القضائي الدولي، في العقود الأخيرة، الى ركن أساسي من أركان النظام القانوني الدولي المعاصر، ووسيلة لا غنى عنها لمواجهة الجرائم ذات الطابع العابر للحدود، لا سيما الجرائم المالية وتبييض الأموال والفساد، حيث اعتبرت المساعدة القانونية المتبادلة إحدى الوسائل الأساسية للتحقيق والملاحقة في الجرائم ذات الطابع العابر للحدود، ولا سيما منها، الجرائم المالية.
وتبين مندرجات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، لاسيما المادة الأولى منها، أن التعاون القضائي لم ينشأ كخيار ثانوي، بل كأداة مركزية في النظام الجنائي الدولي.
غير أن هذا التعاون، على أهميته، لا يعد غاية في ذاته، بل أداة قانونية يفترض أن تخدم مصلحة الدولة الطالبة وتحمي حقوقها السيادية والمالية، وذلك في اطار الغرض من هذه الاتفاقية أي، "تعزيز التعاون علي منع الجريمة المنظمة عبر الوطنية ومكافحتها بمزيد من الفعالية"، حسب المادة الأولى منها، وحسب المادة 46 من اتفاقية مكافحة الفساد تاريخ 2003، والتي ربطت التعاون القضائي بهدف صريح هو تمكين الدولة المتضررة من ملاحقة الجرائم واسترداد الموجودات، بما يؤكد أن التعاون وسيلة لحماية المصالح الوطنية، لا غاية مستقلة بذاتها.
وهذا ما يؤكد أن التعاون القضائي يعد امتدادًا لاختصاص الدولة الجزائي، ولا يمكنه أن يشكل تخليا عن السيادة، لا بل انه احد مظاهر ممارستها، خصوصا متى حصل بإرادة الدولة نفسها، وبحسب الأطر القانونية المرعية الاجراء، ونظامها العام.
الا ان هذه الممارسة تفترض عمليا، حضورا فعليا ومستمرا للدولة المتضررة، داخل المسار القضائي الدولي، بما يضمن توجيه الإجراءات المتخذة نحو تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها ، حيث أكد الدليل على أن فاعلية التعاون القضائي تفترض تدخلًا نشطًا، ومتابعة مستمرة، من الدولة المعنية، طوال مراحل الإجراء، لأنه يمكن لغيابها أن يثير إشكالية قانونية دقيقة، في حال نتج عنه انحراف في التدابير القضائية المتخذة عن وظيفتها الأصلية، لا سيما الحجز التحفظي، الذي يفضي إلى المساس بحقوق مالية أساسية، وفي مقدمتها حق الملكية، سواء منها تلك العائدة للدولة أم للأفراد .
وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قد اعتبرت، في حكم صادر عنها في 28 تموز 1999، أن التدابير القانونية، التي تؤدي إلى حرمان طويل الأمد من الانتفاع بالملكية، قد تشكل مساسًا بجوهر الحق المحمي، بموجب المادة 1 من البروتوكول الأول، حتى في غياب قرار مصادرة صريح .
وهنا، تكمن أهمية دراسة العلاقة بين التعاون القضائي الدولي وحماية المصالح الوطنية، ليس بوصفها علاقة تكامل بديهي، بل كعلاقة مشروطة بآليات قانونية ومؤسساتية دقيقة.
فهل التزم لبنان بها واسترد الحقوق العائدة له؟
مفهوم التعاون القضائي الدولي وأُسسه القانونية
يقصد بالتعاون القضائي الدولي مجموعة الآليات القانونية التي تعتمدها الدول لتقديم المساعدة المتبادلة في المسائل الجزائية، لا سيما فيما يتعلق بتبادل المعلومات، وتنفيذ الإنابات القضائية، وتبليغ المستندات، وتسليم ملاحقين، وحجز الأموال المتأتية عن جرائم عابرة للحدود.
وقد تطوّر هذا المفهوم تدريجيًا من إطار ثنائي محدود إلى منظومة متعددة الأطراف ذات طابع مؤسساتي.
لم تعط اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تعريفاً لغوياً او قانونيا جامعاً للتعاون القضائي الدولي، لكنها عرفته بطريقة غير مباشرة من من خلال مبدأ المساعدة القانونية المتبادلة واسترداد الأصول.
حيث حددت المادة 46 مجالات المساعدة القانونية المتبادلة .
ويبدو واضحا، ان التعاون هنا، ليس خياراً بل موجبا دوليا، يهدف لمنع الإفلات من العقاب وحماية المال العام من التهريب عبر الحدود.
ويخضع التعاون القضائي في مجال استرداد الأموال لعدد من المبادئ الأساسية، بداية من مبدأ سيادة الدولة المتضررة، اذ تنص الاتفاقية على أن استرداد الموجودات يعد مبدأً أساسياً، وأن الدولة المتضررة هي صاحبة الحق الأصيل في المطالبة بالأموال المتأتية من جرائم فساد، مرورا باعتبار الحجز الاحتياطي في دولة أجنبية إجراءً تحفظياً مؤقتاً، يشترط وجود طلب رسمي من الدولة المتضررة، وان يكون الهدف النهائي هو إعادة الأموال، وصدور حكم قضائي نهائي قبل المصادرة النهائية، وصولا الى مبدأ عدم جواز تحويل الحجز إلى مصادرة لمصلحة الدولة الحاجزة.
ويعتبر أي خروج عن هذا الإطار، عبر الاحتفاظ الدائم بالأصول، أو إدارتها خارج التنسيق مع الدولة صاحبة الحق، مسألة تتعارض مع قواعد استرداد الموجودات، ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول.
اما في القانون اللبناني، فيمكن الاستناد الى الإجراءات الجزائية العامة، لاسيما منها موضوع الاستنابات القضائية، وقوانين مكافحة تبييض الأموال والفساد ، حيث يتم التعاون غالباً عبر الاستنابة القضائية الدولية .
في هذا الإطار، يستند مدعي عام التمييز إلى المادة 215 أ.
م.
ج، والمادة 13 من القانون 44/2015 ، لإرسال الاستنابات الدولية، فيما يفرض قانون تنظيم وزارة العدل واتفاقية مكافحة الفساد، في المادة 53، على هيئة القضايا أن تترجم هذا التعاون القضائي إلى فعل مادي، الامر الذي يجعل الامتناع عن التقيد بهذه المواد عملية تفريغ للتعاون القضائي الدولي من محتواه السيادي، ويحول الاستنابات اللبنانية إلى مجرد "إخبارات"، تستفيد منها الدول الأجنبية، لمصادرة الأموال لصالحها بدلاً من إعادتها للدولة اللبنانية.
ويظهر هذا الامر، ان التعاون القضائي في النصوص اللبنانية، هو واجب حماية وليس مجرد مراسلات إدارية، والتقاعس عن استكماله يمثل إخلالاً صريحاً بموجبات المواد المذكورة أعلاه.
لذلك، لا يجوز ان يقتصر التعاون القضائي على تنفيذ طلبات الدولة الطالبة تنفيذا آليا، بل يخضع لشروط تتعلق بالاختصاص، واحترام النظام العام، وضمانات حقوق الإنسان .
ويعكس هذا التقييد إرادة المشرّع الدولي في منع تحويل التعاون القضائي إلى أداة تعسفية، أو وسيلة لتجاوز الضمانات الأساسية للأفراد والدول على السواء.
فالتعاون القضائي الدولي، لا يمارس في فراغ، بل ضمن شبكة من الاصول الإجرائية، التي تحمي كلا من الدولة المطالبة والأطراف المعنية.
ويعد احترام مبدأ الشرعية الإجرائية شرطا لازما لصحة أي إجراء تعاون، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتدابير تمس بالذمة المالية.
ويفرض هذا المبدأ على الدولة المطلوب منها التعاون، التحقق من أن الطلب المقدم يستوفي شروط الاختصاص والشكل والمضمون، كما يفرض على الدولة المطالبة واجب المتابعة والتوضيح والتدخل عند الاقتضاء.
ويؤدي الإخلال بهذا التوازن إلى تحميل الإجراء القضائي ما لا يحتمله من آثار قانونية واقتصادية.
الأبعاد الخاصة بحماية المصالح الوطنية
يستند التعاون القضائي الدولي، من حيث مصادره، إلى مزيج من الاتفاقيات الدولية، والتشريعات الوطنية، والاجتهادات القضائية.
وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المرجع الأبرز في هذا المجال، إذ خصصت فصلًا كاملًا للمساعدة القانونية المتبادلة واسترداد الموجودات.
غير أن هذه الاتفاقيات، على أهميتها، لا تنتج آثارها تلقائياً، بل تفترض قيام الدول بإدماجها في أنظمتها القانونية الداخلية، وتوفير الأطر المؤسساتية القادرة على تنفيذها بفعالية، لئلا يؤدي الأمر إلى نتائج معاكسة للأهداف المعلنة للتعاون
وتتجسد المصلحة الوطنية في إطار هذا التعاون، في حماية جملة من الحقوق والمصالح التي تتجاوز حدود النزاع الجزائي الفردي، وتشمل حماية الأموال العامة، والحفاظ على استقرار النظام المالي، وضمان عدم المساس بحقوق الأفراد المرتبطة بهذه الأموال.
وتحمل هذه الحماية أبعاداً قانونية وسيادية متشابكة، فهي تتجاوز مجرد تبادل المعلومات لتصل إلى صلب مفهوم السيادة على الأموال والمواطنين.
وتجاهل هذا البعد يؤدي إلى مقاربة مجزأة للتعاون القضائي، تختزل فيها المسألة في ملاحقة الجرم، دون الالتفات إلى النتائج المالية والمؤسسية المترتبة على الإجراءات المتخذة.
ويمكن تفصيل هذه الأبعاد بناءً على النصوص القانونية والاجتهادات الدولية، حيث يبرز أولاً البعد السيادي، المتمثل في الصلاحية القضائية الأصيلة، أي تأكيد حق الدولة في أن تكون هي المرجع الأول والأخير في ملاحقة الجرائم التي تقع على أرضها أو تطال مالها العام.
ويكمن جوهر الحماية، على مستوى التعاون الدولي، في أن يكون هذا التعاون "مساعداً" للقضاء الوطني وليس "بديلاً" عنه.
لذلك، يُعدّ عدم قيام القضاء اللبناني، سواء عبر النيابة العامة أم عبر هيئة القضايا، بالدور المطلوب منه، خطراً يحوّل التعاون الدولي إلى وصاية قضائية، حيث تقرر المحاكم الأجنبية مصير أصول وطنية بناءً على قوانينها الخاصة.
ولأن الهدف الأساس لهذا التعاون، بحسب الاتفاقية، هو استرداد الأصول، يصبح البعد المالي لصيقاً بحماية مصلحة الدولة ومواطنيها، إذ يُفترض أن يتم الحجز في الخارج لصالح الدولة المتضررة.
لذلك، يُعدّ عدم تدخل هيئة القضايا في الدعاوى التي تتم فيها ملاحقة لبنانيين وحجز أموالهم أمام المحاكم الأجنبية، تقاعساً ينتج عنه تحوّل هذه الأموال من حق للدولة اللبنانية إلى أموال مصادرة قد تؤول لخزينة الدول الأجنبية، وهو ما يمثل تجاهلاً صريحاً للمصلحة المالية الوطنية.
ويزيد من خطورة هذا الواقع أن ضعف التمثيل القانوني للدولة المتضررة في إطار التعاون القضائي الدولي لا بد أن يفضي إلى اختلال في توازن الإجراء، إذ تُدار الأموال المحجوزة وفق منطق الدعوى الجزائية البحتة، من دون مراعاة طبيعة الحقوق المالية العائدة للدولة أو للأفراد المرتبطين بها.
ويؤدي هذا الاختلال إلى تحويل الحجز من تدبير تحفظي إلى وضع قانوني شبه نهائي، لا سيما عندما يطول أمد الإجراءات دون تدخل فعال من الدولة المعنية، وحيث يمكن أن يتحول التجميد طويل الأمد للأموال إلى نزع ملكية غير مباشر .
يضاف إلى ما تقدم البعدان الاجتماعي والقانوني، حيث تبرز مسألة حماية حقوق المودعين، والارتباط الوثيق لملاحقة الفساد بالاستقرار الاجتماعي .
فالأموال المهرّبة غالباً ما تكون مرتبطة بالكتلة النقدية المفقودة من المصارف، وحماية المصلحة الوطنية هنا تعني أن نجاح التعاون القضائي في استعادة هذه الأموال هو السبيل الوحيد لإعادة الودائع للمواطنين.
والدولة، بما تمثله من مؤسسات وإدارات، ملزمة بموجب الدستور بحماية الملكية الخاصة، لذا يُعدّ تقاعس المؤسسات المعنية عن ملاحقة الأموال في الخارج إخلالاً بحماية حقوق المواطنين والمودعين.
وغني عن القول، إن البعد الإجرائي يبقى الأهم، إذ تتحقق حماية المصالح الوطنية من خلال التكامل بين الادعاء والتمثيل، والتوازن بين صلاحيتين: صلاحية مدعي عام التمييز الذي يفتح باب التعاون الدولي عبر الاستنابات القضائية لإثبات الجرم من جهة، وصلاحية هيئة القضايا التي تمثل الدولة ومصالحها في الخارج للمطالبة بالمال، من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يشكّل تمثيل الدولة أمام القضاء الأجنبي عنصراً حاسماً في حماية مصالحها الوطنية، إذ إن حضورها كطرف متضرر ليس مسألة شكلية، بل شرطا جوهريا لتوجيه مآل الإجراءات ، كما جاء في دليل نشرته مجموعة البنك الدولي.
فغياب أي من هذين الطرفين أو تقاعسه، لا سيما غياب هيئة القضايا، يؤدي إلى ما يُعرف بنزع الملكية المقنّع، حيث تحجز الأموال باسم القانون الدولي، لكنها لا تعود أبداً لصاحب الحق، أي الشعب اللبناني، بسبب غياب الممثل القانوني الرسمي.
وبالرغم من الطابع الإلزامي لبعض آليات التعاون القضائي، لا سيما تلك المنصوص عليها في الاتفاقيات متعددة الأطراف، تحتفظ الدول بهامش تقدير وطني في تنفيذ طلبات التعاون، خاصة عندما تمس هذه الطلبات حقوقاً أساسية أو مصالح سيادية.
ويُعدّ هذا الهامش أحد مظاهر التوفيق بين الالتزام الدولي واحترام النظام الدستوري الداخلي.
غير أن هذا الهامش لا يمكنه أن يُعفي الدولة من مسؤوليتها في حماية الحقوق الأساسية حتى عندما تنفذ التزامات دولية، لأنها تبقى مسؤولة عن نتائج تطبيق ما تتخذه من إجراءات داخل نطاق اختصاصها، متى كان لها دور في تقدير كيفية التنفيذ.
ويضاف إلى ما تقدم البعد الخاص بالسمعة والبعد المؤسساتي، إذ يلحق هذا الغياب والتقاعس بسمعة الدولة ومكانتها القانونية الدولية ضرراً بالغاً، ويُعطي انطباعاً دولياً بأن الدولة فاشلة أو غير راغبة في استعادة حقوقها، مما يجعل وضع اليد على أصولها بذرائع أخلاقية أو قانونية من قبل الأطراف الدولية أمراً مشروعاً، لا سيما في جرائم مكافحة الفساد وتبييض الأموال.
وتتخذ حماية المصالح الوطنية في إطار التعاون القضائي الدولي بُعداً خاصاً عندما تتعلق الإجراءات المتخذة بأموال ذات طبيعة عامة أو بأموال مرتبطة بالنظام المالي للدولة.
ففي هذه الحالة، لا يعود التعاون مسألة تقنية محضة، بل يتحول إلى مسار ذي تداعيات دستورية واقتصادية وحقوقية متداخلة.
وهنا يبدو واضحاً أن الخلل لا يكمن في النصوص الدولية أو التشريعات الوطنية التي تنظم التعاون القضائي، بل في كيفية تطبيقها، وفي غياب التنسيق الداخلي بين الجهات الوطنية المعنية.
فالتعاون القضائي، مهما بلغت درجة تفصيله النصي، يبقى عديم الأثر إذا لم يُرفق بآليات داخلية قادرة على مواكبته وحماية النتائج التي يفترض أن يفضي إليها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الدور الجزائي للدولة المتمثل في تحريك الدعوى العامة وملاحقة الجرائم، والدور المدني أو السيادي المتمثل في المطالبة بالحقوق المالية وحماية الملكية.
ويؤدي الخلط بين هذين الدورين، أو الاكتفاء بأحدهما دون الآخر، إلى فراغ قانوني تستفيد منه السلطات القضائية الأجنبية في إدارة الأموال المحجوزة وفق قواعدها الداخلية، بمعزل عن المصلحة الأصلية للدولة المتضررة.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة في الأنظمة القانونية التي تعتمد مبدأ الفصل الوظيفي بين النيابة العامة والجهة الممثلة للدولة أمام القضاء، كما هو الحال في النظام اللبناني، حيث يناط تمثيل الدولة في الدعاوى ذات الطابع المالي بهيئات متخصصة مستقلة عن سلطة الادعاء.
الحجز القضائي الدولي كأداة من أدوات التعاون
يعد الحجز القضائي في إطار التعاون الدولي أحد أكثر التدابير إثارة للإشكاليات القانونية، نظراً لما ينطوي عليه من مساس مباشر بالذمة المالية.
ويعرف الحجز القضائي بأنه إجراء تحفظي مؤقت، يهدف إلى منع التصرف بالأموال محل الشبهة إلى حين صدور قرار قضائي نهائي بشأنها.
وقد كرست الااتفاقية هذا التدبير صراحةً في المادة 54 ، إذ ألزمت الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة للسماح بتجميد الممتلكات أو ضبطها بناء على طلب دولة أخرى، وذلك في إطار آليات المساعدة القانونية المتبادلة.
وعلى المنوال ذاته، تضمنت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، المعروفة باتفاقية باليرمو، أحكاماً مماثلة في مادتها الثالثة عشرة ، تلزم الدول بالتعاون في تجميد العائدات الإجرامية واسترداد الأصول.
غير أن الطبيعة التحفظية للحجز لا تعفيه من الخضوع لرقابة صارمة، سواء من حيث توافر شروطه أو من حيث مدته وآثاره، كي لا يفرغ من طابعه الوقائي ويتحول إلى أداة ضغط أو عقوبة غير معلنة.
وفي هذا الإطار، أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبادئ راسخة في حكم صدرعام 1994، إذ أكدت أن التدابير التحفظية المتعلقة بالأموال يجب أن تستوفي معيار التناسب، وأن استمرارها دون مراجعة قضائية دورية، يشكل انتهاكاً للحق في الملكية، المكفول بالمادة الأولى من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وذهبت المحكمة ذاتها في قضية أخرى عام 2009، إلى أن الحجز الذي يمتد لفترة طويلة، دون أفق زمني واضح، يرقى إلى مستوى الحرمان الفعلي من الملكية.
ويكتسب الحجز القضائي بعداً إضافياً في هذا الإطار، إذ ينفَذ خارج إقليم الدولة المطالبة ووفق قواعد إجرائية تختلف عن قواعدها الداخلية، الأمر الذي يفرض عليها ممارسة رقابة نشطة على مسار الإجراء، ضماناً لعدم انحرافه عن الهدف الذي اتخذ من أجله.
وقد أشار دليل استرداد الأصول، الصادر عن مجموعة البنك الدولي، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى أن غياب التمثيل القانوني الفعال للدولة المتضررة، في مرحلة الحجز، يفضي في الغالب إلى فقدانها السيطرة على مآل الإجراءات، وإلى إدارة الأموال المحجوزة، وفق المنطق الداخلي للدولة المنفذة، بعيداً عن الغاية الأصلية للتعاون .
ويظهر خطر فقدان السيطرة على مآل الأموال المحجوزة بوضوح، لا سيما عندما تدار هذه الأموال والأصول وفق أنظمة قانونية، تمنح القضاء المحلي، صلاحيات واسعة في التصرف بها.
فبعض الأنظمة القانونية تجيز توظيف الأموال المحجوزة أو إدارتها استثمارياً خلال فترة الحجز، بينما تتيح أنظمة أخرى، مصادرتها لصالح الخزينة العامة للدولة المنفذة، في حالات معينة، كمرور مدة زمنية محددة دون المطالبة بها أو دون تقديم دليل الملكية المشروعة.
وفي هذا الصدد، نبهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها المتعلق بمصادرة العائدات الإجرامية، إلى أن غياب آليات واضحة لإدارة الأصول المحجوزة وإعادتها يشكل ثغرة جوهرية في منظومة التعاون الدولي، تنعكس سلباً على حقوق الدول المتضررة .
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً حين يتعلق الأمر بأصول مرتبطة بالنظام المالي للدولة، كالودائع المصرفية، والأموال العامة المُهربة، إذ يتشابك في هذه الحالة البعد الجزائي مع البعد المالي العام.
وقد أكد الفريق العامل المعني باسترداد الأصول التابع للأمم المتحدة، أن الدول المتضررة التي لا تتدخل بصفة مدع مدني أو طرف متضرر، في الدعاوى الجزائية الأجنبية، تخسر في الغالب حقها في الأموال المحجوزة، حتى في الحالات التي تثبت فيها الجريمة الأصلية، لأن إثبات الجريمة لا يترتب عليه تلقائياً تحديد المستفيد من الأموال المستردة .
ولهذا، يغدو التدخل القانوني المبكر للدولة المتضررة في مرحلة الحجز، لا في مرحلة الاسترداد وحدها، شرطاً لا غنى عنه لحماية مصالحها الوطنية.
فالحجز ليس نقطة نهاية، بل هو نقطة انطلاق لمسار قانوني طويل يتحدد فيه مصير الأموال، ولا يمكن تحصيل نتائجه إلا بحضور فعلي ومستمر من الجهة الممثلة للدولة أمام القضاء الأجنبي.
نموذج لبناني
في هذا السياق نستعرض الحالة اللبنانية الخاصة بحجز أموال مسؤولين لبنانيين ومصارف في الخارج، فنتوقف عند ملفين: الأول ملف إبراهيم البشير، والثاني ملف رياض سلامة.
1- وقائع ملف إبراهيم البشير (2013 – 2017)
في نهاية عام 2013، باشر القاضي غسان عويدات، بصفته قاضياً للتحقيق الأول في بيروت، التحقيق في قضية إبراهيم البشير، أمين عام الهيئة العليا للإغاثة، وزوجته، في جرائم الاختلاس وتبييض الأموال العامة.
خلال مرحلة التحقيق، استجوب المتهمين، وجمع الأدلة المتعلقة بعمليات الاختلاس، وحدَد الأموال المهربة والمحجوزة في جمهورية أوكرانيا، وفي 13 أيار 2014، أصدر قرار ادعاء بحق إبراهيم البشير وزوجته ، طالبا توقيع عقوبات تصل إلى خمس عشرة سنة سجن مع الأشغال الشاقة، وطلب حجز الأموال المحددة لصالح الدولة اللبنانية.
لكن، وعلى الرغم من استكمال القاضي عويدات، لجميع الإجراءات القانونية المنوطة به، فان هيئة القضايا في وزارة العدل لم تتخذ أي إجراء لتعيين محامين مفوضين على الأراضي الأوكرانية، ولم تسجل الدولة اللبنانية طرفا مدنيا متضررا أمام الجهات القضائية المختصة في أوكرانيا.
وقد أسفر هذا الغياب المؤسساتي عن تعذر استرداد الأموال المحجوزة وضياعها، إذ آلت الى الدولة الاجنبيبة بسبب انعدام الحضور السيادي اللبناني.
2 - وقائع ملف رياض سلامة (2022 – 2026)
في عام 2022، باشر القاضي غسان عويدات، بصفته النائب العام التمييزي، تحقيقات موسعة بحق السيد رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق، في جرائم تتعلق باختلاس أموال عامة وغسيل أموال، وفي 1 نيسان 2022، طلب من وزارة العدل، المبادرة إلى حجز الأصول العائدة للسيد سلامة وشركائه في عدد من الدول الأوروبية، وهي: فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، سويسرا، ولوكسمبورغ، وأن يكون الحجز لصالح الدولة اللبنانية.
بتاريخ 9 حزيران 2022، أتم القاضي عويدات التحقيقات الأولية، ووثق عمليات اختلاس مبالغ من المال العام، تقدر قيمتها بثلاثمائة وثلاثين مليون دولار أمريكي، وأحال الملف للادعاء.
وفي أوروبا، وفي 29 آذار 2022، بادرت كل من فرنسا، وألمانيا، ولوكسمبورغ إلى حجز أصول السيد سلامة على أراضيها، في سياق تحقيقاتها القضائية المحلية المتصلة بالملف .
وقد بلغت قيمة الأصول المجمدة ما يعادل مئة وعشرين مليون يورو.
لاحقا، وبتاريخ 4 تموز 2023، أصدرت الجهات القضائية الفرنسية قراراً بتحويل الأصول المحجوزة إلى لبنان، استجابة للطلبات اللبنانية الرسمية.
وبعد ذلك، وفي 3 نيسان 2025، أصدرت المحاكم الفرنسية حكماً برفع تجميد اصول السيد رياض سلامة، وفقا للإجراءات القضائية الفرنسية المعمول بها.
من جهتها، أعلنت النيابة العامة الألمانية، في 29 كانون الثاني 2026، عزمها المضي في مسار المصادرة النهائية للأصول المحجوزة على الأراضي الألمانية، والبالغة قيمتها خمسة وثلاثين مليون دولار أمريكي، وذلك لصالح الخزينة الألمانية ، وقد أتى هذا الإعلان في غياب حكم قضائي نهائي مبرم صادر عن القضاء اللبناني في هذا الشأن، وفي ظل عدم تسجيل الدولة اللبنانية طرفاً مطالِباً أمام الجهات القضائية الألمانية المختصة.
يلاحَظ في كل من ملف البشير (2013-2014) وملف سلامة (2022-2023) أن القضاء اللبناني أنجز مهامه القانونية كاملة، إذ أجرى التحقيقات اللازمة، وأصدر قرارات الادعاء، وقدم طلبات الحجز الرسمية لصالح الدولة اللبنانية، بينما سجل غياب هيئة القضايا في وزارة العدل عن المرحلة اللاحقة، المتمثلة في: تعيين محامين دوليين مفوضين في الدول المعنية، وتسجيل الدولة اللبنانية طرفاً مدنياً متضرراً أمام المحاكم الأجنبية، ومتابعة الإجراءات القضائية بصفة منتظمة، لضمان عدم التصرف بالأموال خارج نطاق المصلحة اللبنانية، الامر الذي اظهر انعدام الحضور السيادي اللبناني في الإجراءات الدولية المتعلقة بهذه الأصول، مما هيأ الظروف القانونية لتحول وجهة الأموال المحجوزة الى الدولة الاجنبية.
تقاعس هيئة القضايا وانعكاساته
في القضايا العابرة للحدود، يضطلع جهاز تمثيل الدولة، أي هيئة القضايا، بأدوار جوهرية لا يمكن الاستغناء عنها، تشمل تعيين محامين متخصصين في الدولة الأجنبية، وتسجيل الدولة اللبنانية كطرف متضرر، وتقديم مذكرات قانونية للطعن في أي إجراء يمس بحقوقها، ومتابعة التنفيذ إلى حين استرداد الأموال.
وتستمد هيئة القضايا اختصاصها في هذا الشأن من احكام المرسوم الاشتراعي رقم 151 تاريخ 16-9-1983 الخاص بتنظيم وزارة العدل ، الذي يناط بها تمثيل الدولة ومصالحها أمام المحاكم كافة، وطبيعة هذا الدور تفرض عليها التدخل في أي نزاع تكون الدولة طرفاً فيه أو تمس مصالحها، سواء أمام القضاء اللبناني أم الأجنبي.
علماً إن التقاعس عن هذه الإجراءات لا يوقف مسار الدعوى في الخارج، بل يؤدي عملياً إلى إضعاف المركز القانوني للدولة اللبنانية، وقد يؤدي إلى فقدانها القدرة على المطالبة الفعلية بالأصول، وهو ما أكده الدليل الصادر عن مجموعة البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، حيث نبه إلى أن غياب الدولة المتضررة عن الإجراءات الأجنبية، يعرضها لفقدان حقها في الأموال المستردة، حتى بعد اثبات الجرم الأصلي، كما اشرنا اليه سابقا.
وهكذا، يمكن رصد تقاعس هيئة القضايا من خلال سلسلة من الإخلالات والتقاعسات، التي تشكل في مجموعها انتهاكا جسيما للواجبات القانونية المناطة بها، والتي يمكننا ملاحظتها من خلال:
أ.
عدم تسجيل الدولة كطرف متضرر
لم تبادر هيئة القضايا إلى تسجيل الدولة اللبنانية كطرف متضرر أمام القضاء الأجنبي المختص، رغم أن الأموال المحجوزة ذات طبيعة سيادية، أو مرتبطة بحقوق مواطنين لبنانيين وبشكل خاص المودعين منهم.
وهذا الامتناع يحرم الدولة من المركز الإجرائي الفاعل الذي يسمح لها بالاطلاع على سير الإجراءات، وتقديم المذكرات والطعون، والتأثير في القرارات المتعلقة بمصير الأموال.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة 35 من الاتفاقية، تلزم الدول الأطراف بضمان حق مؤسساتها، كهيئة القضايا مثلا، في اللجوء إلى الإجراءات القانونية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الناجم عن جرائم الفساد.
كما أن المادة 57 من الاتفاقية عينها تربط إعادة الأصول المستردة بوجود الدولة المتضررة كطرف فاعل في الإجراءات.
فغياب هذا التسجيل يقطع الصلة القانونية بين الدولة وبين الأموال المحجوزة، ويسقط حقها في المطالبة بها عند صدور الحكم النهائي.
ب.
عدم تعيين محامين محليين في الدولة الأجنبية
لم تقم الهيئة بتعيين محامين أو مستشارين قانونيين محليين، في الدولة الأجنبية التي صدر فيها قرار الحجز، رغم أن ذلك يعد إجراء أساسيا، في أي ملف تعاون قضائي دولي معقد.
وقد أدى هذا الإغفال، إلى غياب أي تمثيل قانوني فعلي للدولة اللبنانية أمام القضاء الأجنبي.
وفي هذا الإطار، أكد الدليل العملي لاسترداد الأصول الصادر عن مبادرة ستار ، أن التمثيل القانوني المحلي في الدولة المنفذة، شرط لا غنى عنه لمتابعة مسار الإجراءات، لأن قواعد الإجراءات الجزائية والمدنية تختلف جوهريا من دولة إلى أخرى، وأن المراسلات الدبلوماسية وحدها لا تكفي لحماية حقوق الدولة المتضررة في مواجهة المحاكم الأجنبية.
وفي السياق اللبناني، كان ينبغي لهيئة القضايا أن تستند إلى الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون، لتعيين وكلاء قانونيين في الخارج، وهو ما يندرج ضمن صلاحياتها التقديرية الواسعة في إدارة الدعاوى ذات الطابع المالي.
ج.
عدم تقديم مذكرات توضيحية حول طبيعة الأموال
امتنعت الهيئة عن تقديم أية مذكرات قانونية أو توضيحات للقضاء الأجنبي تبين الطبيعة الخاصة للأموال المحجوزة، سواء من حيث ارتباطها بحقوق مودعين لبنانيين محميين بموجب المادة 15 من الدستور اللبناني، التي تكفل حق الملكية، أم لناحية طبيعتها السيادية التي تستوجب معاملة خاصة، أو الآثار الكارثية المحتملة على الاقتصاد اللبناني في حال المصادرة من قبل الدولة الأجنبية.
وهذا الغياب بالغ الأثر، إذ إن القضاء الأجنبي يفصل بناء على المعطيات المقدمة إليه، ومن دون تبيان الطبيعة الخاصة للأموال ومدى ارتباطها بحقوق أطراف ثالثة، تغدو المصادرة أو الاحتجاز لمدة طويلة أمراً ممكناً من الناحية القانونية، خصوصا في الأنظمة التي تجيز المصادرة بدون إدانة، كما هو الحال في عدد من الدول الأوروبية التي تعتمد نظام النسب المدني للمصادرة ، ويقصد به الآلية القانونية، التي تستهدف اثبات عدم تناسب الثروة مع المصادر المشروعة للدخل، الامر الذي يعني عمليا، مصادرة الأصول، التي لا يستطيع صاحبها تبرير مصدرها بشكل معقول، بصرف النظر عن صدور حكم جنائي بحقه.
د.
عدم المطالبة بآلية إدارة خاصة للأموال المحجوزة
لم تطالب الهيئة بوضع آلية إدارة خاصة للأموال المحجوزة، كالوصاية القضائية المشتركة، أو التقارير الدورية عن حالة الأموال، أو الضمانات ضد استثمارها في مشاريع خطرة.
وهذا الإغفال يعرض الأموال لمخاطر التبديد أو سوء الإدارة أو الانخفاض في القيمة.
وقد نبه تقرير مجموعة الدول ضد الفساد ، إلى أن إدارة الأصول المحجوزة تشكل ثغرة جوهرية في منظومة استرداد الأصول، وأن الدول المتضررة التي لا تشارك، في وضع آليات الإدارة هذه، تجد نفسها أمام أصول تناقصت قيمتها بشكل ملحوظ حين يحين وقت استردادها .
ولا يختلف الأمر في ما يتعلق بالأصول المالية والعقارية المحجوزة في القضايا اللبنانية، التي تستوجب إشرافا مستمرا من الدولة المتضررة لضمان الحفاظ على قيمتها.
هـ.
عدم المطالبة بتحديد أفق زمني للحجز
رغم مرور مدة زمنية طويلة على الحجز، لم تبادر الهيئة إلى المطالبة بتحديد أفق زمني واضح للإجراء، أو بمراجعة دورية لضرورة استمراره.
وهذا يخالف المعايير الدولية التي تفرض ألا يتحول الإجراء التحفظي إلى عقوبة دائمة.
وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأً راسخاً في قضية عرضت عليها ، مفاده أن التدابير التحفظية يجب أن تستوفي معيار التناسب، وأن استمرارها دون مراجعة قضائية دورية يشكل انتهاكا للحق في الملكية، المكفول بالمادة الأولى من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما اسلفنا.
وفي غياب الهيئة عن المطالبة بمراجعة زمنية للحجز، تسري هذه الإجراءات وفق منطقها الداخلي، بمعزل عن الحقوق الأساسية للأطراف المتضررة.
الأثر التراكمي: من الإخلال الإجرائي إلى نزع غير مباشر للملكية
يثير الواقع الحالي تساؤلا جوهريا حول مدى إمكانية تعميم منطق الاشتباه على أموال المصارف أو المودعين اللبنانيين في الخارج.
وإذا كان صحيحا من الناحية القانونية، أنه لا يمكن اعتبار أموال المصارف أموالاً جرمية حكما، وأن الملكية الخاصة تتمتع بحماية دستورية، ودولية بموجب البروتوكول الأول نفسه، وأن المصادرة لا تجوز إلا بحكم قضائي فردي ونهائي يثبت مسؤولية شخصية، إلا أن ضعف الحضور السيادي في النزاعات الخارجية قد يفتح المجال أمام توسيع نطاق التدابير الاحترازية، بما يتجاوز حدود المسؤولية الفردية.
ويمكن للأثر التراكمي للحجز طويل الأمد المقترن بالتقاعس المؤسسي أن يرتقي إلى مستوى نزع غير مباشر للملكية، وذلك حين يحرم صاحب الحق من جوهر ملكيته لفترة طويلة وغير محددة، وتغيب آلية مراجعة قضائية فاعلة، ويحمل عبئا مفرطا دون تعويض.
وهذا ما أكده تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، المتعلق بنزع الملكية، الذي وسع مفهوم نزع الملكية ليشمل التدابير غير المباشرة ذات الأثر المماثل، كالتجميد طويل الأمد، الذي يفضي عمليا إلى الحرمان من حق الانتفاع بالملكية .
الانعكاسات القانونية والاقتصادية والحقوقية
على المستوى القانوني، يترتب على تقاعس هيئة القضايا فقدان الدولة اللبنانية لمركزها الإجرائي الفاعل أمام القضاء الأجنبي، مما يترجم عمليا باتخاذ قرارات تؤثر على مصير الأموال المحجوزة، من دون أي تمثيل أو دفاع عن المصلحة اللبنانية، بما في ذلك احتمال تحويل الحجز التحفظي إلى مصادرة نهائية، أو توزيع الأموال على جهات دائنة أخرى.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في قضايا عدة، أن الدولة التي تتقاعس عن ممارسة الحماية الدبلوماسية والقانونية لمصالحها، تعرض هذه المصالح للضياع في مواجهة المنطق الإجرائي للدول الأخرى .
وعلى المستوى الاقتصادي، يبرز الأثر المباشر على ميزان المدفوعات في حال تحول الحجز إلى مصادرة نهائية، إذ ستفقد احتياطيات مالية كان يمكن استردادها لصالح الاقتصاد الوطني.
ويقدر حجم الضرر المحتمل بمليارات الدولارات، وهو ما يشكل نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي.
كما سيؤدي فقدان احتياطيات بهذا الحجم، إلى مزيد من الضغوط على سعر صرف الليرة اللبنانية، وبالتالي إلى ارتفاع حاد في معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وتفاقم الفقر والبطالة.
يضاف إلى ذلك، تفاقم أزمة القطاع المصرفي الذي يعاني أصلا من أزمة سيولة خانقة وفقدان ثقة المودعين، ففي حال مصادرة الأموال المحجوزة، سيتعمق العجز في قدرة المصارف على الوفاء بالتزاماتها، ما يؤدي إلى انهيار كامل للثقة في النظام المصرفي وعزل لبنان عن النظام المالي الدولي.
أما على مستوى حقوق المواطنين والمودعين، فإن الحق في الملكية المصون في الدستور اللبناني سيتعرض لانتهاك مضاعف: انتهاك أول بفعل عمليات الاختلاس والتهريب الأصلية، وانتهاك ثانٍ بفعل تقاعس المؤسسات المعنية عن استرداد هذه الأموال.
فمن دون تمييز واضح بين الأموال العامة البحتة، والأموال الخاصة ذات الصلة، يغدو المواطن ضحية لإجراء لم يكن طرفا فيه، وهو ما يشكل انتهاكا صريحا، لمبدأ الأمن القانوني ومبدأ التوقع المشروع، اللذين يفرضان على الدولة توفير حد أدنى من اليقين بشأن مصير الحقوق المالية.
وفي ظل ما يعانيه المجتمع اللبناني من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، سيؤدي فقدان ودائع المواطنين إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، وزيادة الضغوط على شبكات الأمان الاجتماعي الهشة أصلا، ودفع المزيد من العائلات إلى دائرة الهجرة والفقر والحرمان، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الاجتماعية للدولة المنصوص عليها في ديباجة الدستور اللبناني ذاتها.
اتخاذ صفة الادعاء المدني
تعد آلية اتخاذ صفة الطرف المدني في الدعاوى الجزائية الأجنبية حجر الزاوية في استراتيجيات استرداد الأموال المنهوبة، إذ إن إحجام الدولة عن اتخاذ هذه الصفة يؤدي حكما، إلى اعتبار الأموال المحجوزة أموالاً جرمية بلا مالك في نظر القضاء الأجنبي، مما يمنح الدولة الحاجزة الحق في مصادرتها لصالح خزينتها الخاصة.
وتجد هذه الآلية سندها في المادة 35 من الاتفاقية، التي تلزم الدول الأطراف بضمان حق الكيانات التي لحق بها ضرر من جرائم الفساد، في اللجوء إلى الإجراءات القانونية للمطالبة بالتعويض، فضلاً عن المادة 57 التي تربط إعادة الأصول المستردة بوجود الدولة المتضررة كطرف فاعل يثبت حقها في هذه الأصول.
ويقر النظامان الفرنسي والألماني بحق الدول الأجنبية، التي لحق بها ضرر مباشر ومحقق ناتج عن جرائم مالية عابرة للحدود كالاختلاس وتبييض الأموال، في الولوج إلى القضاء الجزائي المختص، واتخاذ صفة الطرف المدني.
ففي القانون الفرنسي، تُتيح المادتان 2 و85 من قانون الاصول الجزائية، لكل شخص أو كيان تضرر مباشرة من جريمة، تقديم ادعاء مدني أمام قاضي التحقيق.
وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية، في اجتهادات عديدة أن الدول الأجنبية يمكنها التمتع بهذه الصفة متى أثبتت الضرر المباشر والشخصي الناجم عن الجريمة موضوع الملاحقة .
أما في ألمانيا، فيجيز قانون الاصول الجزائية في الفقرة 403 وما يليها للمتضرر من الجريمة، بما فيه الكيانات القانونية الأجنبية، المطالبة بالتعويض في إطار الدعوى الجزائية ذاتها، عبر ما يعرف بإجراء الانضمام المدني.
وتعد صفة الطرف المدني أداة سيادية وقانونية تمنح الدولة المتضررة مروحة واسعة من الصلاحيات والضمانات، التي تتجاوز مجرد المراقبة إلى المشاركة الفاعلة في الخصومة الجزائية.
فهي تمنحها أولاً ، حق الولوج إلى ملف التحقيق، والحصول على نسخة كاملة من أوراق الدعوى ونتائج الاستنابات القضائية الدولية، وفي ذلك، كسر لحاجز سرية التحقيق في مواجهة الدولة المتضررة.
وتسمح لها ثانيا، التدخل في الإجراءات، عبر تقديم المذكرات القانونية والمستندات الثبوتية التي تعزز أدلة الاتهام وتدعم الشق المدني من الدعوى، إضافة الى طلب إجراءات تحقيق إضافية، كاقتراح سماع شهود أو طلب تعيين خبراء فنيين أو التوسع في تعقب الأصول المالية المهربة.
كما تتيح لها ثالثاً، المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية المباشرة، التي لحقت بالخزينة العامة، والأضرار الاقتصادية، والاجتماعية الناجمة عن جرائم الفساد.
وتخولها رابعا، ممارسة طرق الطعن ضد القرارات، التي قد تمس بمصالحها، سواء أكانت تلك المتعلقة بإخلاء سبيل المتهمين، أم بقرارات منع المحاكمة، أم بالأحكام النهائية.
اما خامسا، فتفتح امامها إمكانية المطالبة الرسمية، بإعادة الأموال والموجودات المصادرة إليها، وهو الحق الذي تكرسه المادة 57 ، من الاتفاقية التي تنص صراحةً على إعادة الأصول إلى الدولة الطرف المتضررة.
التوصيف القانوني والمسؤولية
يمكن اعتبار تقاعس هيئة القضايا والقصور في إدارة الملف، خطأً مرفقيا يرتب مسؤولية الدولة على المستوى الداخلي.
وتجد هذه النظرية مرتكزها في الفقه الإداري اللبناني المستوحى من الفقه الفرنسي، الذي يعرف الخطأ المرفقي، بأنه كل إخلال بالسير الحسن للمرفق العام يتجلى إما في سوء أداء الخدمة أو في الامتناع عن أدائها كلياً أو جزئياً.
وفي الحالة اللبنانية، تتوافر جميع أركان المسؤولية الإدارية، إذ يتجلى الخطأ في الامتناع عن ممارسة الصلاحيات القانونية المنوطة بالهيئة بموجب القانون، ويتجسد الضرر في فقدان المركز الإجرائي وتعريض الأموال للمصادرة، وتبدو العلاقة السببية واضحة إذ إن قيام الهيئة بواجبها كان من شأنه تفادي هذه الأضرار أو تخفيفها.
فضلا عن ذلك، تواجه الدولة اللبنانية مخاطر مسؤولية دولية محتملة على مستويات متعددة.
فعلى صعيد حقوق الإنسان، قد يتقدم المودعون المتضررون بدعاوى أمام هيئات دولية لحقوق الإنسان، مستندين إلى انتهاك الحق في الملكية، المكفول بالمادة الأولى من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 15 من الدستور اللبناني.
وعلى صعيد التحكيم الدولي، قد يلجأ المستثمرون الأجانب المتضررون إلى التحكيم الدولي، في إطار معاهدات الاستثمار الثنائية التي أبرمها لبنان، مطالبين بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن تقاعس الدولة في حماية أصولهم، الامر الذي سيلحق ضرراً بالغاً بسمعة لبنان القانونية ومكانته الدولية، ما يعيق جذب الاستثمارات والحصول على تمويل دولي في وقت تشتد فيه الحاجة إليه.
وفيما يلي جدول تفصيلي لمظاهر التقاعس والأضرار المترتبة:
مظهر التقاعس الأثر الفوري الضرر طويل الأمد الواجب القانوني المُهمَل
عدم التسجيل كطرف مدني فقدان صفة الخصم في الدعاوى استحالة المطالبة بالأموال المصادرة تمثيل الدولة أمام القضاء الأجنبي
عدم تعيين محامين غياب التمثيل الفعلي في المحاكم إهدار فرص قانونية حاسمة إعداد الدفاع القانوني الميداني
غياب ملف الضرر انعدام الأدلة أمام المحكمة سقوط أي مطالبة مستقبلية توثيق وتقديم حجم الأضرار
غياب التنسيق مع النيابة إجراءات منفصلة وغير مكتملة ضياع نتائج الملاحقة الجزائية متابعة طلبات التعاون القضائي
غياب استراتيجية الاسترداد تشتت الجهود وضياع الأولويات خسارة الدولة مليارات الدولارات وضع خطة قانونية متكاملة
وهنا لا بد من الالتفات الى المسؤولية الإيجابية للدولة، والى ما يمثله التقاعس من مخالفة صريحة لمبدأ حسن الإدارة، ولمبدأ سيادة القانون بحسب المعايير الدولية المعتمدة في منظومة حقوق الإنسان ومكافحة الفساد.
فالدولة التي ترسل طلبات التعاون القضائي وتمتنع عن متابعتها، تناقض نفسها وتسقط مصداقيتها في المجتمع الدولي.
وقد أكد الفريق المعني بمراجعة تطبيق الاتفاقية ، أن الدول الأطراف ملزمة بتطبيق الاتفاقية تطبيقاً فعلياً لا شكلياً، وأن إصدار طلبات التعاون دون متابعتها يشكل إخلالاً بالتزامات الاتفاقية.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن التزامات الدولة لا تقف عند حدود عدم الاعتداء على الحقوق، بل تتعداه إلى الالتزام باتخاذ التدابير الضرورية لحماية هذه الحقوق وصيانتها.
ويعبر ذاك، عن ما يعرف بنظرية الالتزامات الإيجابية المرسَخة في فقه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في عدد من القضايا ، التي أكدت فيها المحكمة فالدولة ملزمة باتخاذ التدابير العملية الكفيلة بحماية الحقوق المكفولة بالاتفاقية .
وتتجلى الالتزامات الإيجابية الُهملة في السياق الراهن، في ثلاثة محاور رئيسية: واجب حماية الضحايا، أي المودعين، الذين هم أوائل ضحايا الجرائم المالية موضوع الملاحقات الأوروبية، وواجب الاسترداد الذي يقضي بضرورة استخدام كل الوسائل القانونية المتاحة لاسترداد الأموال وإعادتها إلى مستحقيها، وواجب الوقاية ومنع ضياع حقوق المواطنين بسبب إخفاق مؤسساتي يمكن تجنبه.
خاتمة: نحو حوكمة مؤسسية فاعلة
تكشف دراسة الوقائع والإطار القانوني عن فجوة واسعة بين المبادئ النظرية للتعاون القضائي الدولي وآليات تطبيقه في الحالة اللبنانية.
ولا تكمن المشكلة في مبدأ الحجز بحد ذاته ولا في التعاون القضائي الدولي، بل في غياب استراتيجية قانونية سيادية متكاملة لمتابعة استرداد الموجودات.
وتقتضي مقاربة التعاون القضائي الدولي في القضايا المالية المعقدة تمييزا دقيقا بين مستويات قانونية متداخلة: مستوى الاختصاص القضائي، ومستوى المشروعية الإجرائية، ومستوى الأثر الموضوعي للتدابير المتخذة.
فقرار طلب التجميد الصادر عن مدعي عام التمييز يندرج، من حيث الأصل، ضمن الصلاحيات المخولة له، بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية والاتفاقيات الدولية، التي انضم إليها لبنان.
غير أن مشروعية القرار عند صدوره لا تكفي لصيانة الحقوق، ولا تغني عن تقييم مساره الزمني وآثاره الممتدة.
وكان لا بد لهيئة القضايا من اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين حضور لبنان في المحاكمات وصيانة حق الدولة والمواطنين، لا سيما مع فقدان الحجز طابعه المؤقت وتحوله إلى قيد طويل الأمد على استعمال الأموال والانتفاع بها، بحيث يقترب من مفهوم نزع الملكية غير المباشر.
ومن هنا، يتبين أن جوهر الإشكالية لا يكمن في مشروعية القرار الجزائي في ذاته، بل في الحوكمة المؤسسية لإدارته.
فالتعاون القضائي الدولي لا يختزل في إصدار طلب أو تنفيذ إجراء، بل يفترض تمثيلا فاعلا للدولة أمام الجهات الأجنبية، وتنسيقا بين النيابة العامة، وهيئة القضايا والسلطات المختصة، وآليات واضحة لإدارة الأموال المحجوزة بما يضمن حماية المصلحة الوطنية وحقوق الأفراد في آن.
وتستعيد الدولة اللبنانية فاعليتها القانونية في هذا المجال، باعتماد سياسة واضحة لاسترداد الأموال، وتفعيل دور هيئة القضايا بصورة منهجية، وتخصيص موازنات للدفاع القانوني الدولي، وتوحيد الموقف القضائي والتنفيذي في الملفات العابرة للحدود.
بهذه المقاربة، يصبح التعاون القضائي أداةً لتعزيز سيادة القانون لا مجالا لتآكلها، وتتحقق الموازنة الدقيقة بين مقتضيات الملاحقة الجزائية وصون الحقوق الدستورية.