الذكاء الاصطناعي: في المساءلة والخوارزميات

أ. د. منى الأشقر جبور
المقدمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم مستقبلي أو خيال علمي، بل أصبح يؤثر فعليًا في الإدارة العامة، الرعاية الصحية، القطاع المالي، التعليم، الأمن السيبراني، الإعلام، العمل الامني، وبشكل متزايد، في المشاركة الديمقراطية نفسها.
وقد شكل التوسع المتسارع في توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي، ضمن منظومات اتخاذ القرار في المجالات الحكومية، والقضائية، والمالية، والصحية، تحدياً جوهرياً أمام مبادئ سيادة القانون والشفافية والمساءلة.
فلم تعد قرارات التوظيف أو منح الائتمان أو تقييم المخاطر الجنائية أو تخصيص الخدمات العامة، مجرد نتيجة لسلطة تقديرية بشرية خاضعة للرقابة القانونية المعتادة، بل باتت في أحيان كثيرة نتيجة لعمليات حسابية معقدة تجريها خوارزميات، يصعب على الافراد والمواطنين العاديين، كما على صناع القرار والهيئات الرقابية، فهمها أو تفسيرها، التحقق من المنطق الذي يقف وراءها.
في المقابل، يشهد الاطار الدولي لمسؤولية الذكاء الاصطناعي تطورا لافتا، إذ تنتقل من مجموعة متفرقة من المبادئ الأخلاقية، إلى نظام متعدد الطبقات، يجمع بين التشريعات الملزمة والمعايير القانونية المرنة ، آليات الحوكمة التقنية، وأنظمة المسؤولية القانونية الناشئة.
ويبرز في صميم هذا التحول، تحد سياسي وقانوني يتمثل في تحديد الجهة، التي يجب تحميلها المسؤولية عندما تتسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي بأضرار، أو تمارس التمييز، أو تنتهك الحقوق، أو تعمل بصورة غير متوقعة عابرة الحدود القانونية المختلفة، المدنية والجزائية، والإنسانية، المحلية والدولية.
وقد بدأت المنظمات الدولية، كما الدول بالبحث عن أسس ومبادئ، يمكن الركون اليها في مجال الحوكمة، حيث أرست مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدت لأول مرة سنة 2019 وتم تحديثها سنة 2024، معايير ذات تأثير واسع تتعلق بالشفافية، والمتانة التقنية، وقابلية التتبع، والمساءلة، مشددة عبر هذه المبادئ على مفهوم المساءلة عبر دورة الحياة، بما يفرض على الجهات الفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي، إدارة المخاطر بشكل مستمر، منذ مرحلة التصميم وحتى النشر والمراقبة.
كذلك، توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتي اعتبرت المساءلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بحماية حقوق الإنسان، وقابلية التدقيق، وقابلية التفسير، والإشراف البشري، على تأييد غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ما يؤكد الاتجاه نحو ضرورة بقاء أنظمة الذكاء الاصطناعي خاضعة للمسؤولية البشرية والرقابة.
أما الإطار القانوني الأكثر تأثيرا حتى الآن فهو قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي ، الذي دخل حيز النفاذ سنة 2024، مع تطبيق تدريجي يمتد حتى سنة 2026، ليشكل أول نظام تنظيمي شامل وعابر للقطاعات.
ويصنف هذا القانون أنظمة الذكاء الاصطناعي بين أنظمة محظورة، وأنظمة عالية المخاطر، وأنظمة محدودة المخاطر، وأنظمة منخفضة المخاطر.
إضافة الى ذلك، فرض هذا القانون التزامات متصاعدة تبعا للتأثير المجتمعي لهذه الانظمة.
ففي هذا السياق، تلزم الأنظمة عالية المخاطر، على سبيل المثال، بتطبيق آليات لإدارة المخاطر، وإشراف بشري، وتوثيق تقني، وضمانات للأمن السيبراني، وسجلات للتتبع، وآليات للمراقبة بعد التسويق.
ومن أبرز خصائص هذا النموذج الأوروبي، هو امتداده خارج الحدود الإقليمية.
فكما هو الحال مع التشريع الأوروبي لحماية البيانات ، يطبق قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي على المزودين والمشغلين خارج أوروبا، إذا كانت أنظمتهم تؤثر على مستخدمين داخل الاتحاد الأوروبي.
ويؤثر هذا الامر، في استراتيجيات الحوكمة عالميا، بما في ذلك دول أميركا الشمالية، وآسيا، الخليج.
الذكاء الاصطناعي والحوكمة الديمقراطية
أصبحت الأنظمة الخوارزمية تؤثر في المشاركة العامة، والتواصل الانتخابي، وتصنيف المواطنين، والقرارات الإدارية، وارتبط الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة بالحكومة الإلكترونية، والخدمات العامة الرقمية، وتقنيات المراقبة، والأمن السيبراني، والديمقراطية التشاركية.
لذلك، تصبح مساءلة الذكاء الاصطناعي مرتبطة مباشرة بـالشرعية الديمقراطية، والحقوق الدستورية، والشفافية، والثقة العامة.
وفي المجتمعات التي تعاني هشاشة مؤسساتية، كلبنان، قد تؤدي الحوكمة الخوارزمية غير الواضحة، إلى تعميق انعدام الثقة بدل تعزيز الحوكمة، ما يبعد المساءلة عن المسائل التقنية، ويحولها الى مسألة دستورية، وديمقراطية، وسيادة قانون.
وعليه، فإن التحدي المطروح أمام معظم الدول، ومنها لبنان لا يقتصر على التكيف التقني فقط، بل يتمثل في بناء بنية قانونية ومؤسساتية قادرة على حماية حقوق الانسان، والكرامة الإنسانية، والشرعية الديمقراطية، والشفافية، وسيادة القانون، في عصر الأنظمة الذكية.
فمستقبل مساءلة الذكاء الاصطناعي لن يحدده المهندسون أو المشرعون وحدهم، بل سيعتمد على قدرة القضاة، والمحامين، وصناع القرار، والخبراء التقنيين، والأكاديميين، والمجتمع المدني، على إعادة تعريف المسؤولية بصورة جماعية في العصر الخوارزمي، بما يعيد الى قلب المسؤولية المدنية القول اللاتيني: حيث يوجد حق، توجد وسيلة انصاف ، ومنع الذكاء الاصطناعي من تغييب هذه المقولة، نتيجة تعقيدات هندسية، توزع القدرة على الفعل، واتخاذ القرار، على عدد هائل من الجهات وعبر حدود متعددة، بحيث عندما يقع الضرر، يصل القانون إلى مكان الحادث… فلا يجد أحدا.
ففي سنة 2019، تبيّن أن خوارزمية تستخدم في مجالات التقديمات الصحية، في الولايات المتحدة الأميركية، فكانت تعطي الأولوية في الاستفادة من الخدمات للمرضى البيض، ليس لأن أحدًا برمجها على التمييز، بل لأنها تدربت على بيانات إنفاق تاريخية عكست عقودا من اللامساواة الاجتماعية.
لقد تعلمت الخوارزمية الظلم، ثم أعادت إنتاجه على نطاق واسع، وبشكل آلي وغير مرئي، وبالطبع، لم يثبت ارتكاب أي شخص لخطأ مباشر، وبالتالي، لم يدخل أحد إلى السجن، ولم تدفع تعويضات.
لقد وقعت هذه القضية في بيئة مؤسساتية قوية، وفي واحدة من أكثر دول العالم اعتمادًا على التقاضي، والتي تملك أحد أكثر أنظمة المسؤولية المدنية تطورا في العالم.
وبالرغم من ذلك، ابتلعت «فجوة المساءلة» القضية بالكامل.
فما الذي يمكن ان يحدث لو وقعت هذه الحادثة في بلدان هشة مؤسساتيا وقانونيا؟

نماذج رئيسية للمسؤولية القانونية
يتجاوز مفهوم المساءلة الخوارزمية في جوهره النموذجَ الكلاسيكي للمسؤولية القائمة على الخطأ الفردي، المستمد من الأصول الرومانية للمسؤولية التقصيرية، التي تفترض وجود فعل ضار، ونية إضرار، ورابطة سببية واضحة بين الجاني والضرر.
إذ لا يجدي هذا النموذج في مواجهة الأنظمة الخوارزمية التي لا تنشأ أضرارها من خطأ بشري مقصود أو مهمل، بل من تعقيد التفاعلات البرمجية والبيانات المغذية للنظام.
لذا بدأ المعنيون بالتنظيم والحماية البحث عن نماذج يمكن ان تتناسب وطبيعة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، ويبرز هنا أولا، نموذج المسؤولية المرتكزة على المزود أو المطور، حيث قد يتحمل المطورون ومزودو النماذج المسؤولية عن عيوب تصميم النماذج، أو العيوب والاخطاء في بيانات التدريب، أو ضعف الضمانات الوقائية، أو سوء الاستخدام المتوقع، والذي لم تتخذ الإجراءات اللازمة لتجنبه.
اما النموذج الثاني فهو ذلك المرتكز على الجهة المشغّلة أو المستخدمة، إذ قد تتحمل المؤسسات التي تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن النتائج التمييزية، أو الاضرار الناتجة عن قرارات النشر والاستخدام، وذلك في مجالات التوظيف، الأمن، التمويل، الصحة، أو التعليم.
اما النموذج الثالث، فهو ذلك الذي يلقى الاهتمام المتزايد في الأوساط الأكاديمية والتنظيمية، ويعرف بنموذج المسؤولية المشتركة أو الموزعة، والذي يقوم على الاعتراف بأن المساءلة قد تكون موزعة بين مزودي البيانات، ومطوري النماذج، والجهات المشغلة، والتقنيين، والمستخدمين.
لكن الطبيعة الغامضة والمستقلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنظمة الوكلاء المتعددين، تطرح تعقيدات من نوع مختلف.
فالقانون التقليدي الذي يحكم المسؤولية يفترض وجود علاقة سببية واضحة، وضرر يمكن تقييمه، وسلوك يمكن التنبؤ به، بينما تتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، بشكل ديناميكي، وتعتمد على مخرجات احتمالية، وتعمل ضمن سلاسل توريد معقدة تشمل عدة أطراف، الامر الذي يخلق ما يطلق عليه اسم فجوة المساءلة، وهي الهوّة القائمة بين القرارات الخوارزمية الفعلية المؤثرة في الحقوق والمصالح، وبين الأطر القانونية القادرة على مراجعتها، وتصحيحها، وإسناد المسؤولية عن إخفاقاتها، او عن الاخطار والاضرار التي تتسبب بها.
وتركز الجهات التنظيمية والمنظمات الدولية، بصورة متزايدة، على محاولة التعامل مع هذه الفجوة ، عبر إقرار عدد من الإجراءات والعمليات، التي يمكن الانطلاق منها لاستبعاد المسؤولية او إقرارها، وهي: التوثيق الإلزامي وقابلية التتبع، التدقيق الخوارزمي، تقييمات الأثر، الإشراف البشري، التزامات الشفافية، أنظمة الإبلاغ عن الحوادث، ومقاربات الحوكمة المدمجة في التصميم.
وهكذا تتحول المساءلة من فردية، الى إجرائية تنظيمية.
ويتجلى البعد الأخير، في خمسة متطلبات تتحمل المؤسسات المشغلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي مسؤولية الوفاء بها، وهي:
• توثيق قرارات الذكاء الاصطناعي: إذ يجب أن تُسجَّل قرارات الأنظمة الخوارزمية بصورة شاملة ومنهجية، بما يشمل المعطيات المُدخَلة والمنطق المُتَّبع والنتائج المُخرَجة.
• تطبيق الضمانات الوقائية: وتشمل آليات الرقابة المسبقة واللاحقة التي تحد من مخاطر التحيز الخوارزمي، والأخطاء الممنهجة.
• التدقيق الدوري في النتائج: من خلال مراجعات منتظمة تقيّم مدى دقة الأنظمة وعدالة مخرجاتها.
• رصد الانحيازات وتصحيحها: عبر منهجيات إحصائية وتقنية تكتشف الانحرافات المنهجية وتعالجها.
• الإبقاء على آليات إشراف فاعلة: تضمن وجود بشر قادرين على مراجعة قرارات الأنظمة والتدخل في مساراتها.
في هذا الإطار، أصبح لتطوير منظومات تدقيق الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة لان المساءلة الفاعلة تتطلب تدقيقا مستقلا، ومشاركة المجتمع المدني، إضافة الى إتاحة الوصول إلى البيانات والنماذج لأغراض الرقابة الخارجية، ذلك ان غياب هذه الآليات، يحول الامتثال القانوني الى شكلي ومجرد واجهة فارغة.
لكن، وبينما تتقارب الأنظمة القانونية المختلفة حول مبادئ مشتركة مثل الشفافية، والسلامة، والعدالة، والمساءلة، يبقى الاختلاف قائما في أساليب التنفيذ.
فالولايات المتحدة تعتمد بدرجة أكبر على الأطر الإرشادية وإدارة المخاطر، مثل إطار NIST لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، بينما يفضل الاتحاد الأوروبي التنظيم الملزم، في حين تؤكد اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على التنسيق المعياري والقانون المرن.
وهذا يؤدي إلى نشوء بيئة حوكمة متعددة الطبقات، بدلًا من نص عالمي موحد للذكاء الاصطناعي.
اما الجهود الدولية في مجال الحوكمة، فتتجه تدريجيا نحو المقاربة التي تقوم على إقرار اتفاقية، حيث تعد اتفاقية الإطار الصادرة عن مجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي ، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وسيادة القانون، من أوائل الجهود الدولية التي تتجه نحو الاعتماد على اتفاقية مخصصة لحوكمة الذكاء الاصطناعي ومساءلته.
وتكمن أهميته في ربط تنظيم الذكاء الاصطناعي مباشرة بالديمقراطية والحقوق الأساسية، حيث أكدت التوصية رقم CM/Rec(2020)1 بشأن آثار الخوارزميات على حقوق الإنسان، أن الدول الأعضاء ملزمة بضمان إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي، لمعايير المساءلة الإجرائية ذاتها المعمول بها في القرارات الإدارية التقليدية.
في المقابل، تبقى هذه الجهود بعيدة عن طرح الحلول المناسبة لضمان تنفيذ القواعد عبر الحدود، توزيع المسؤولية في أنظمة الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، مساءلة الوكلاء المستقلين، حوكمة النماذج المتقدمة جدا، الاستثناءات العسكرية والأمنية، التشتت التنظيمي بين الأنظمة القانونية، وتحقيق التوازن بين الابتكار ومتطلبات الامتثال.
لذا، لا بد لنجاح معالجة هذه التحديات من اعتماد نموذج حماية وردع وعقاب، يقترب ليس من طبيعة التقنية، وانما أيضا من ابعاد وخطورة الاضرار التي يمكن ان تتركها، على الافراد، والمؤسسات، والمجتمع، والدولة، الامر الذي يفرض الانتقال من التنظيم القائم على المبادئ، إلى آليات حوكمة تشغيلية عملية، تشمل بروتوكولات تدقيق موحدة، وأنظمة اعتماد دولية، وسجلات توثيق للذكاء الاصطناعي، ومعايير ومقاييس تقنية، وآليات امتثال مؤتمتة، وربما أشكالا جديدة من التأمين الخوارزمي وآليات المسؤولية الجماعية.
مسؤولية ومساءلة الذكاء الاصطناعي في السياق اللبناني.
يواجه النظام القانوني اللبناني، القائم على الاسس التقليدية للقانون المدني، كما الأنظمة القانونية الأخرى حول العالم، صعوبة في مواكبة تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويمثل لبنان حالة بالغة الأهمية، تستحق التوقف عندها، نظرا للتقاطعات الواقعة بين تقاليد قانون مدني متأثر بالنموذج الفرنسي، وهشاشة في البنية المؤسساتية، وتسارع في التحول الرقمي، وتزايد التأثر بالنماذج العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
فحتى اليوم، لا يوجد في لبنان قانون شامل خاص بالذكاء الاصطناعي، غير أن ذلك لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يوجد خارج إطار القانون.
فالمنظومة القانونية اللبنانية تتضمن بالفعل عدة مرتكزات ذات صلة، تتوزع بين عدد من النصوص التقليدية، كقواعد المسؤولية المدنية، والمسؤولية العقدية، والمسؤولية الإدارية، والتزامات الأمن السيبراني، وأحكام حماية البيانات الشخصية، في القانون رقم 81/2018.
وقد شكل القانون الأخير، خطوة مهمة نحو إمكانية الاعتماد على الحوكمة الرقمية، والاعتراف بالمعاملات الإلكترونية وحماية البيانات، الا انه يبقى غريبا عن تحديات الذكاء الاصطناعي وتنظيمه، لانه صمم واعتمد قبل تفشي استخداماته بين الافراد والمؤسسات.
ونتيجة لذلك، يعمل لبنان حاليًا ضمن ما يمكن وصفه باطار هجين وغير مكتمل للمسؤولية، الامر الذي يؤدي عمليا إلى وضع، يجد فيه القضاة، والمشرعون، والمؤسسات، أنفسهم مضطرين لمحاولة إدخال تقنيات عالية الاستقلالية ضمن مجال تطبيق مبادئ ومفاهيم قانونية صممت أساسا للمسؤولية عن السلوك البشري، وعن الاضرار التي يمكن ان تتسبب بها الآلات التقليدية.
ويبرز التحدي الاخطر في مجال المسؤولية، فيما يسميه الباحثون، بشكل متزايد، فجوة المساءلة .
ويشير هذا المصطلح في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الغموض المحيط بتحديد المسؤول عن النتائج الضارة أم المتحيزة، أم غير المتوقعة، التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة المهام على نطاق واسع، إلا أنه لا يتمتع بالشخصية القانونية أو الأخلاقية، ما ينشئ فراغا لا يحاسب فيه أي فرد أو مؤسسة، عند حدوث أخطاء.
وبحلول مطلع عام 2026، باتت هذه الفجوة تعتبر تحديا قياديا متزايدا، حيث الاتجاه التنظيمي والقانوني، الى وجوب إسناد المسؤولية إلى العنصر البشري، رغم استقلالية أدوات الذكاء الاصطناعي.
فالمسؤولية المدنية التقليدية تفترض وجود فاعل قابل للتحديد، وسلوك متوقع، وعلاقة سببية واضحة، وخطأ قابل للإثبات وللتقييم.
لكن الذكاء الاصطناعي يعقد جميع هذه الافتراضات، فالأنظمة الحديثة للذكاء الاصطناعي تتميز بأنها قابلة للتكيف نتيجة التعلم العميق، واحتمالية، وشبه مستقلة، وغامضة من حيث آلية عملها، وغالبًا ما تعتمد على سلاسل توريد دولية معقدة.
فلو اخذنا مثالا افتراضيا، حيث تعتمد احدى البلديات نظام ذكاء اصطناعي لمساعدتها في ترتيب أولويات الخدمات العامة، أو تصنيف المواطنين، أو الحوكمة التشاركية، فيقوم هذا النظام بتمييز غير مقصود ضد فئة معينة من المواطنين، فمن المسؤول عن هذا التمييز، أهي البلدية، ام مطور البرمجيات، ام مزود الذكاء الاصطناعي الأجنبي، ام شركة الحوسبة السحابية، ام الموظف المشرف، أم مزود البيانات؟ بالرجوع الى القانون اللبناني الحالي، لا يمكننا ان نجد تأطيرا واضحا وتحديدا دقيقا، لهذا النوع من المسؤولية.
وتزداد الأمور تعقيدا، عندما تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي، بتطوير نفسها بعد تشغيلها من خلال التعلم الآلي المستمر.
ففي القانون المدني التقليدي، ترتبط المسؤولية عادة بالحراسة، وبسلطة اتخاذ القرار، بينما تصبح القدرة على اتخاذ القرار، والسيطرة على النظام، لاسيما مع أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مجزأة، وموزعة على عدد من الجهات، القانونية والتقنية والإدارية وغيرها.
اما التحدي الآخر، الذي يواجهه موضوع تحديد المسؤولية، فهو قدرة المؤسسات على التنفيذ، حيث لا يكفي وجود النص القانوني، اذا لم تتوافر آليات فاعلة للتطبيق.
فمساءلة الذكاء الاصطناعي تتطلب فيما تتطلب، مدققين تقنيين، ومحققين رقميين، وخبراء في الأمن السيبراني، وهيئات رقابية مستقلة، وقدرات على فحص الخوارزميات، وتنسيقا تنظيميا فاعلا.
ذلك، في الوقت الذي يفتقر فيه لبنان، الى هيئة متخصصة في تنظيم الذكاء الاصطناعي.
ويمكننا قياس هذا الامر، على القانون رقم 81/2018، حيث تبقى الرقابة محدودة مؤسساتيا، في ظل غياب سلطة مستقلة ومتخصصة تقنيا، لحماية البيانات، على غرار الهيئات الأوروبية الوطنية لحماية البيانات الشخصية.
وغني عن القول، ما لهذا من اثر في خلق عدة مشاكل تشغيلية، كضعف القدرة على التدقيق، ومحدودية الخبرة التقنية، وعدم تناسق التطبيق، وبطء التحقيقات، وتراجع القدرة على التنبؤ التنظيمي.
يضاف الى ذلك، اعتماد التنفيذ غالبا على التفسير القضائي، في الوجهة العملية، أكثر من اعتماده على الرقابة التنظيمية الاستباقية، ما يبرز وجود معيار دون فاعلية تشغيلية تضمن تقديم جودة أعلى، تقليل العيوب، أو إنتاج المنتجات والخدمات بسرعة أكبر وبأقل تكلفة ممكنة.
وهذا يعني وجود قواعد قانونية على الورق، في غياب القدرة على تنفيذها.
على مستوى متصل، تبرز مسالة غموض النصوص القانونية وعدم اليقين القانوني، نتيجة الطابع العام للعديد من الأحكام القانونية التي تنظم بعض الأمور الرقمية.
وهنا يمكننا الإشارة، على سبيل المثال، الى عدم تحديد القانون، بوضوح، لمفهوم الموافقة الصحيحة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وحقوق الأفراد في مراجعة القرارات الخوارزمية أو الاعتراض عليها، وعدم تنظيم عملية اتخاذ القرار الآلي بشكل تفصيلي، وغياب الالتزامات الواضحة بشأن قابلية التفسير.
فاذا اخذنا بعين الاعتبار، احتمالية تفسير القضاة المختلفين للنص نفسه بطرق متنوعة، لا بد وان نتوقع ظهور حالة من عدم اليقين القانوني، ومن عدم القدرة على التنبؤ، ومن تضارب الاجتهادات القضائية، ومن ظهور ثغرات تنظيمية، وذلك، بالرغم مما يعنيه الامر من مرونة في التعامل مع النص وفتح إمكانات تفسيره، ليطال حالات متعددة ومختلفة.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح الغموض القانوني خطيرا بشكل خاص لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها تتسم أصلًا بالغموض، الامر الذي يمكن تفسيره باجتماع الغموض التكنولوجي مع الغموض القانوني لانتاج أزمة مزدوجة على مستوى المسؤولية.
في كل الأحوال، وبالرغم من غياب قانون لبناني خاص بالذكاء الاصطناعي، لا يمكن دراسة لبنان بمعزل عن التطورات الدولية، حيث تؤثر الأطر الدولية للحوكمة، بصورة متزايدة، في التفكير القانوني اللبناني.
ولعل من أبرز هذه النماذج ، مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الذكاء الاصطناعي، توصيات اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، وأدوات مجلس أوروبا الناشئة في هذا المجال.
فقد أدخلت هذه الأطر مفاهيم جديدة ذات مفاعيل وآثار قانونية على المسؤولية واقراراها، نذكر منها، التنظيم القائم على المخاطر، والإشراف البشري، والشفافية الخوارزمية، وقابلية التدقيق، وقابلية التتبع، والمساءلة عبر دورة الحياة.
ويكتسب قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أهمية خاصة، لأنه ينقل تنظيم الذكاء الاصطناعي من المبادئ الأخلاقية العامة، إلى الالتزامات التشغيلية الملزمة.
فالأنظمة عالية المخاطر مطالبة بتطبيق آليات لإدارة المخاطر، وأنظمة توثيق، وضمانات للأمن السيبراني، وهياكل إشراف بشري، وآليات للمراقبة بعد التشغيل.
ورغم عدم الزامية هذا القانون للبنان، يبقى تأثيره قائما واكيدا عبر الاجتهاد، ومتطلبات الامتثال التجاري الدولي، وشروط الاستثمار الأجنبي، والخدمات الرقمية العابرة للحدود.
ظهور مفاهيم جديدة
فرض التعامل مع تنظيم المسؤولية في مجال الذكاء الاصطناعي، على المستوى الدولي، ظهور مفاهيم قانونية جديدة، قد تعيد تشكيل نظرية المسؤولية ذاتها، ولاسيما منها المساءلة الخوارزمية، التي تتجاوز فكرة المسؤولية القائمة فقط على الخطأ التقليدي، وتركز على ما اتخذته المؤسسة المعنية من إجراءات.
ويضاف الى ذلك، بعض المبادئ الخاصة بالحوكمة والتي تؤكد على الإنسان داخل الحلقة، أي ضرورة بقاء الإنسان قادرا على الإشراف على قرارات الذكاء الاصطناعي، وممارسته رقابة حقيقية، دون الاكتفاء بالموافقة الشكلية على القرارات الخوارزمية.
كذلك، تحولت قابلية تفسير أنظمة الذكاء الاصطناعي عنصرا أساسيا في المساءلة، من خلال قابلية التفسير والحق في التفسير، بحيث يتمكن الافراد المتضررون من الحصول على تفسيرات، وآليات مراجعة، وحق الاعتراض.
لكن ذلك، يستدعي الانتباه الى الحالة التي يتعذر فيها التفسير، والتي تطرح سؤالا هاما، الا وهو: هل يجب السماح باستخدام هكذا انظمة في الوظائف العامة عالية المخاطر؟
اما مفهوم التدقيق في الذكاء الاصطناعي وهو أسرع المفاهيم نموًا، فيؤشر إلى مجالين رئيسيين: إما استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين كفاءة وجودة عمليات التدقيق المالي، أو إجراء مراجعة وتقييم لأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها لضمان دقتها، وشفافيتها، والتزامها بالمعايير الأخلاقية والقانونية.
وفي هذه الحالة الأخيرة، يهدف هذا التدقيق الى تقييم العدالة، والانحياز، والمتانة التقنية، والأمن السيبراني، والشفافية، والامتثال.
لكنه يطرح هو الاخر، إشكاليات قانونية جديدة حول الجهة التي تمنح الاعتماد للمدققين، والزامية التدقيق، والمعايير المعتمدة، ومسؤولية الفشل في التدقيق.
ومن المفاهيم الناشئة ايضا، مفهوم الحوكمة المدمجة في التصميم، بحيث تصبح جزءًا من الكود والبنية التقنية، لا مجرد رقابة خارجية على التكنولوجيا، وذلك عبر إدماج الضمانات القانونية والأخلاقية مباشرة داخل البنية التقنية نفسها.
ومن الأمثلة على ذلك، سجلات التدقيق المدمجة، التسجيل الآلي للعمليات، طبقات التفسير، أنظمة إدارة الموافقة، وتنبيهات المخاطر الخوارزمية.
النتيجة
تكشف الدراسة عن تناقض بنيوي عميق: فكلما ازدادت أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة على التأثير في الحقوق والمصالح، ازدادت صعوبة اخضاعها للأطر القانونية القائمة.
وهذا التناقض ليس عارضا تقنيا قابلا للمعالجة بنص تشريعي إضافي، بل هو أزمة منهجية تعيد طرح السؤال الفلسفي الأساسي في نظرية المسؤولية: من يسأل حين لا يكون الفاعل إنساناً؟
وقد اشرنا بوضوح الى أن الردود التشريعية الراهنة، بما فيها القانون الأوروبي بوصفه النموذج الأكثر طموحاً، تعمل بمنطق تكيفي لا تأسيسي؛ إذ تسعى إلى إدراج ظاهرة جديدة ضمن أطر مفاهيمية سابقة عليها.
فنموذج المسؤولية الموزعة، رغم واقعيته التشخيصية، يمكن ان ينتهي عملياً إلى توزيع الإفلات من المساءلة لا الى توزيع المسؤولية، لأن سلاسل التوريد الدولية المعقدة تجعل كل طرف قادرا على الإحالة إلى طرف آخر.
ولعل خوارزمية التمييز الصحي، في الولايات المتحدة، ليست استثناء، بل نمطا متوقعا حين تغيب آليات الإسناد الواضح.
ويكتسب السياق اللبناني قيمة تحليلية تتجاوز خصوصيته المحلية، لأنه يكشف ما تخفيه الأنظمة القوية تحت طبقات من الإجراءات الشكلية: فجوة المساءلة لا تنشأ من غياب النصوص وحده، بل من غياب البنية التحتية اللازمة، لتحويل النص إلى واقع تطبيقي.
ولعل الخلاصة الأهم هنا، هي أن إصدار قانون للذكاء الاصطناعي في بيئة تفتقر إلى هيئة رقابية مستقلة وكوادر تقنية متخصصة قد ينتج حماية وهمية تفوق خطر غيابها الصريح.
في هذا السياق، نصل الى القول بضرورة مراعاة مسارات متوازية ثلاثة، لا يمكن الاكتفاء بأحدها:
1- البنية المؤسساتية قبل التشريع، فلا جدوى من سن تشريع في غياب جهة تقنية-قانونية مستقلة قادرة على التدقيق الخوارزمي وإنفاذ القرار.
وبذلك تكون الأولوية لإنشاء هيئة وطنية متخصصة تجمع خبرات قانونية وتقنية، مع ضمان استقلاليتها عن السلطة التنفيذية تحديداً في سياقات الهشاشة المؤسساتية.
2- قلب عبء الإثبات: فعوضا عن إلزام المتضرر بإثبات الخطأ في منظومة غير شفافة بطبيعتها، ينبغي اعتماد مبدأ المسؤولية المفترضة، للجهات المشغّلة للأنظمة عالية المخاطر، على غرار مبدأ الحراسة في القانون المدني، ومسؤولية الناقل في المجال الجوي، مع فرض إلزامية التوثيق والتدقيق المسبق شرطاً للترخيص لا استجابة للضرر.
3- الانخراط في منظومة الحوكمة الدولية: في ظل الامتداد خارج الحدود لقانون الاتحاد الأوروبي وغيره، لا يملك لبنان رفاهية الانتظار؛ فالأنظمة الدولية ستُطبَّق على المشغّلين اللبنانيين وفق شروط الامتثال التجاري بصرف النظر عن الموقف التشريعي المحلي.
التحدي إذن هو التحوّل من موقع الخضوع السلبي لهذه المنظومة إلى موقع المشاركة الفاعلة في صياغة معاييرها.
في المحصلة، نعتبر ان إصلاح منظومة مساءلة الذكاء الاصطناعي يستلزم، في نهاية المطاف، إصلاحاً في فلسفة المسؤولية ذاتها، انتقالاً من منطق العقاب على الضرر الواقع إلى منطق الوقاية المنهجية المثبتة.
فحيث يولد الضرر نتيجة تعقيد خوارزمي.
فلا يكفي أن يكون القانون عادلاً في التعامل مع الأضرار، بل عليه أن يكون يقظا ليمنع وقوعها.