يلا نربي

بقلم السيدة رولا العريف فضّول، مستشارة المنتدى الرقمي اللبناني في شؤون الأسرة وسلامة العائلة:
لأنّ التربية فنّ ووعي… تُتعلَّم وتُتمرَّس مثل الرقص والدبكة والغناء
التربية ليست مهمة عابرة، وليست مجرد حبّ وتعاطف مع الطفل.
التربية مسؤولية تصنع إنساناً، والإنسان يبني مجتمعاً، والمجتمع يبني وطناً.
لذلك، حين نُحسن التربية ولا نهملها او نخطئ فيها، فنحن لا نربي أبناءنا فقط، بل نؤثر و نؤسس لمستقبلٍ انساني سليم ومجتمع كامل .
التربيةالحقيقية لا تعني أن نتساهل او ان نغض النظر و أن نسكت عن الخطأ بحجة الحب.
وهي ليست ردّة فعل على خطأ يحدث، بل هي عملية بناء يومية تبدأ من التفاصيل الصغيرة: طريقة حديثنا مع الطفل، إنصاتنا له، وضوح القوانين في البيت، واحترامنا نحن للقيم التي نطلبها منه.
لأن الطفل يتعلّم بالملاحظة قبل التوجيه، الطفل لا يسمع ما نقوله فقط، بل يرى ما نفعله.
فإذا طلبنا منه الصدق ونحن نكذب، أو الاحترام ونحن نصرخ ونُهين، فسيتعلم من سلوكنا لا من كلماتنا.
القدوة هي أساس التربية.
فضلا على الحب والحنان الزائد بلا حدود يربك شخصيته، الطفل يحتاج إلى الحبّ والأمان، لكنه يحتاج أيضاً إلى حدود واضحة.
غياب الحدود يجعله: غير قادر على احترام القوانين.
ضعيف التحمل أمام الإحباط.
سريع الغضب عندما لا تتحقق رغباته.
الحدود لا تُشعر الطفل بالرفض، بل تمنحه شعوراً بالأمان والاستقرار.
القسوة المفرطة تكسر… والتساهل المفرط يفسد الإهانة أو الضرب قد تخلق طفلاً خائفاً أو كاذباً أو ضعيف الثقة بنفسه.
وفي المقابل، التساهل الزائد يخلق طفلاً عنيداً، أنانياً، لا يحترم الآخرين ولا يتحمل المسؤولية.
التربية السليمة تقوم على الحزم الهادئ مع الرحمة الواعية.
الكلمات تصنع صورة الطفل عن نفسه التكرار المستمر لعبارات مثل: “أنت فاشل”، “أنت لا تفهم”، أو مقارنة الطفل بغيره، يزرع داخله شعوراً بالنقص ويؤثر في ثقته بنفسه لسنوات طويلة.
أما التشجيع على المحاولة، والثناء على الجهد، وتعليمه أن الخطأ فرصة للتعلّم، فيبني شخصية واثقة ومتوازنة.
اما عن العقاب يجب ان يكون وسيلة تعليم لا وسيلة انتقام العقاب التربوي هدفه أن يفهم الطفل نتيجة تصرفه، لا أن يخاف فقط.
فالطفل الذي يُخطئ يجب أن يتعلم: الاعتذار عند الإساءة إصلاح ما أفسده إن أمكن تحمّل نتيجة فعله هكذا يدرك أن لكل تصرّف أثراً، ويتعلّم المسؤولية بدلاً من الخوف.
التربية تبدأ في البيت وتتبلور في المدرسة لانها شريك أساسي في التربية، المدرسة ليست مكاناً للمعرفة فقط، بل بيئة لبناء الشخصية.
المعلم العادل الذي يحترم طلابه ويعاملهم دون تمييز يزرع فيهم قيم العدالة والاحترام والانتماء والثقة.
أما التمييز بين الطلاب بسبب العائلة أو المكانة أو القرب الشخصي، فيترك آثاراً نفسية عميقة: شعوراً بالظلم لدى بعضهم، وشعوراً زائفاً بالتفوّق لدى آخرين.
التربية مسؤولية طويلة المدى قد يبدو التساهل اليوم أسهل وأسرع، لكنه يخلق مشكلات أكبر في المستقبل.
طفل اليوم هو مواطن الغد.
كل كلمة نقولها، وكل خطأ نتساهل فيه، وكل قيمة نزرعها أو نهملها… ستظهر في شخصية هذا الطفل وفي مجتمعه ومستقبله.
التربية فنّ يحتاج وعياً وصبراً وتعلّماً مستمراً.
وكما نتدرّب لنُتقن الرقص أو الغناء، علينا أن نتعلم كيف نربي أبناءنا بوعي ومسؤولية.
يلا نربي… لأن التربية الصحيحة اليوم تعني إنساناً أفضل غداً، ومجتمعاً أعدل، ووطنًا أقوى.