وزارة للذكاء الاصطناعي في لبنان: حلم "إماراتي" في واقع لبناني

بقلم: أ.د. منى الأشقر جبور (*)
في زمن تتسابق فيه الحكومات على الانضمام الى ركب الذكاء الاصطناعي، طُرح في لبنان مشروع قانون يقضي بإنشاء وزارة متخصصة لهذا المجال. العنوان براق، والطموح واضح، لكن التفاصيل تكشف عن مشروع يعاني من إشكاليات بنيوية عميقة قد تحوّله من خطوة إصلاحية إلى كابوس إداري جديد.
الخطيئة الأولى: الذكاء الاصطناعي ليس قطاعًا
أول ما يصطدم به المتأمل في المشروع هو خطأ مفاهيمي جوهري: التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ"قطاع إداري مستقل" قائم بذاته. لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي أداة تكنولوجية أفقية، تقنية عابرة للقطاعات، وعنصر تمكيني للسياسات العامة، وليس قطاعًا منفصلًا يستدعي وزارة خاصة.
التعامل مع الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة يشبه تمامًا إنشاء وزارة للإنترنت، أو وزارة للبرمجيات، أو وزارة للبيانات. وهو منطق لا تعتمده أية دولة متقدمة في العالم، كما سنرى لاحقًا.
العالم لا يفعل ذلك
عندما ننظر إلى كيفية تعامل الدول المتقدمة مع الذكاء الاصطناعي، نكتشف أن لا أحد منها يعتمد نموذج "الوزارة المستقلة". الاتحاد الأوروبي يعتمد تنظيمًا أفقيًا شاملًا عبر المفوضية الأوروبية، كندا أنشأت مجلسًا وطنيًا للذكاء الاصطناعي، سنغافورة اعتمدت هيئة مستقلة، بريطانيا أسست مكتبًا للتنسيق، وفرنسا وضعت استراتيجية وطنية تديرها لجنة مشتركة.
الرسالة واضحة من التجارب الدولية: الذكاء الاصطناعي يُحكم عبر التنسيق والتكامل، لا عبر الانفصال والاستقلال.
عندما تصبح الصلاحيات غير محدودة
المادة الرابعة من المشروع تحمل عبارة خطيرة: "تتولى الوزارة – على سبيل المثال لا الحصر – المهام التالية". هذه الصيغة القانونية تعني عمليًا أن صلاحيات الوزارة غير محدودة، وهو ما يناقض مبدأ الشرعية الإدارية، ويفتح الباب لنزاعات دستورية لا نهاية لها.
الأخطر من ذلك أن المادة الثامنة تلزم جميع الوزارات باستشارة وزارة الذكاء الاصطناعي في أي مشروع رقمي، ما يحوّل الوزارة الجديدة إلى جهة وصاية على الحكومة بأكملها، ويخلق شللًا مؤسساتيًا قد يعطّل العمل الإداري بدلًا من تسريعه.
غياب الأساسيات
عند قراءة المادة الثانية المتعلقة بالتعاريف، نكتشف أن المشروع يفتقر إلى تعريف دقيق للذكاء الاصطناعي نفسه. كيف يمكن إنشاء وزارة لموضوع لم يُعرَّف قانونيًا؟ كما تغيب تعريفات أساسية أخرى مثل البيانات الشخصية، والخوارزمية، والقرار المؤتمت، وهي مفاهيم محورية في أي تشريع حديث للذكاء الاصطناعي.
أما الأسباب الموجبة للمشروع، فهي عامة وإنشائية لا تقدّم أي تحليل حقيقي لضرورة إنشاء وزارة جديدة. لا توجد دراسة أثر تشريعي، ولا تقدير للكلفة، ولا تحليل للمخاطر، ولا حتى شرحا واضح لما تعجز عنه الوزارات القائمة حاليًا.
الإمارات ليست لبنان
هنا نصل إلى النقطة الأكثر جوهرية. يبدو أن المشروع مستوحى من التجربة الإماراتية التي أنشأت منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي. لكن محاولة استنساخ هذه التجربة في لبنان تتجاهل فوارق سياقية كبرى.
الإمارات تتمتع بنظام سياسي مركزي قوي، بينما لبنان يعمل وفق نظام طائفي توافقي معقد، يصعب معه اتخاذ القرارات. الإمارات تملك موارد مالية وفيرة جدًا، بينما لبنان يعاني من أزمة مالية حادة وعجز في الموازنة. الإمارات بنت بنية رقمية متقدمة عالميًا، بينما البنية التحتية اللبنانية متواضعة. الإمارات تستثمر مليارات الدولارات في هذا المجال، بينما لبنان يكافح لتأمين الخدمات الأساسية.
والأهم من ذلك: حتى في الإمارات، لم تُنشأ "وزارة تقليدية" للذكاء الاصطناعي، بل منصب وزير دولة ضمن هيكل حكومي مرن، مع استراتيجية وطنية عابرة للوزارات، ومدعوم بموارد استثنائية. النموذج الإماراتي سياسي واستراتيجي، وليس بيروقراطيًا ثقيلًا كما يقترح المشروع اللبناني.
إن محاولة استنساخ التجربة الإماراتية في لبنان دون الموارد، ودون الإطار القانوني الحديث، ودون الاستقرار الإداري، ستؤدي حتمًا إلى وزارة شكلية، وتضخم إداري، ونزاعات اختصاص لا نهاية لها، وإهدار للمال العام.
ماذا عن البدائل؟
بدلًا من هذا المشروع، يمكن اعتماد بدائل أكثر فعالية وأقل كلفة:
- إنشاء مجلس وطني للذكاء الاصطناعي برئاسة رئيس الحكومة، يضم ممثلين عن الوزارات المعنية والقطاع الخاص والأكاديميا، يكون مسؤولًا عن وضع الاستراتيجية الوطنية والتنسيق بين الجهات المختلفة.
- إنشاء هيئة مستقلة للحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، على غرار النموذج السنغافوري، تتمتع بالمرونة والاستقلالية دون أن تشكل عبئًا بيروقراطيًا.
- تعزيز الأطر القائمة حاليًا دون إنشاء هيكل جديد، عبر تطوير قدرات وزارة الاتصالات، ودعمها بوحدة متخصصة للذكاء الاصطناعي.
ليس كل ما يلمع ذهبًا
الذكاء الاصطناعي يشكّل فرصة حقيقية للبنان، ولا أحد يشكك في أهمية هذا المجال. لكن الفرص الكبيرة لا تُدار عبر تضخم مؤسساتي غير مدروس. المشروع بصيغته الحالية يخلق مشاكل أكثر مما تستنبط حلولا، ويفتقر إلى الأساس القانوني المتين، ولا ينسجم مع الواقع اللبناني، ولا مع الاتجاهات الدولية الرصينة.
إن مسؤولية الحكومة والبرلمان تقتضي إعادة النظر جذريًا في المقاربة المقترحة. لبنان لا يحتاج إلى استنساخ نماذج لا تناسب واقعه، بل إلى نموذج حوكمة رشيد وواقعي ومبني على دراسة علمية معمّقة.
الطموح مطلوب، لكن الواقعية أهم. والحماس للتكنولوجيا لا يُغني عن الدقة في التشريع. قبل أن نحلم بوزارة للذكاء الاصطناعي، علينا أن نمتلك ذكاءً تشريعيًا يحمي لبنان من مغامرة إدارية قد تكلفه أكثر مما تفيده.
======
(*) أ.د. منى الأشقر جبور:
أستاذ جامعي (الجامعة اللبنانية) - مستشار قانوني لشؤون تقنيات المعلومات، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي والامن السيبراني
رئيسة الجمعية اللبنانية لتكنولوجيا المعلومات
عضو في الهيئة الدائمة لأمن المعلومات
World Federation of Scientists (WFS)
من مؤسسي المنتدى الرقمي اللبناني