هيكل برائحة الأرز

تأليف أنطوان فضّول:
نجمة معلّقة بين البحر والسماء. تلك مدينة صور بمرافأ يضجّ بالسفن القادمة من أقاصي الأرض، وأسواق تعجّ بالتجار والحرفيين، فيما كانت رائحة خشب الأرز والراتنج تفوح من الورش المنتشرة على طول الشاطئ. هناك، في المدينة التي صنعت مجدها بأيدي أبنائها وعقولهم، كان الملك حيرام الأول يراقب اتساع نفوذ مملكته، غير مدرك أن اسماً من أبناء صور سيُكتب في صفحات التاريخ إلى جانب الملوك والأنبياء.
في أحد صباحات الربيع، رست سفينة تحمل رسولاً من أورشليم. عبر الرجل الأزقة الحجرية حتى بلغ القصر الملكي، حاملاً رسالة مختومة بخاتم الملك سليمان. قرأ حيرام الرسالة بتمعّن، ثم رفع نظره نحو البحر وكأنه يستحضر ذكرى قديمة. كان يعرف قصة داوود الذي حلم ببناء بيت عظيم لإلهه، لكنه رحل قبل أن يرى حلمه يتحقق. أما الآن، فإن الابن يطلب إكمال ما بدأه الأب.
استدعى الملك كبار رجاله، لكن اسماً واحداً كان حاضراً في ذهنه قبل الجميع: حيروم أبي، الرجل الذي لم يكن مجرد بنّاء أو مهندس، بل فناناً يرى في الحجر روحاً، وفي المعدن حكاية، وفي الخشب حياة جديدة.
كان حيروم يعمل يومها في إحدى الورش المطلة على البحر. بين يديه قطعة برونز ضخمة يحولها إلى تحفة فنية. وحين وصله استدعاء الملك، ترك أدواته ومضى إلى القصر. هناك أخبره حيرام بالمهمة.
قال الملك: "يا حيروم، يطلب سليمان من صور ما لا يملكه سواه. يطلب علمنا وصناعتنا وخبرة رجالنا. أريدك أن تقود هذه المهمة."
ساد الصمت لحظة، ثم نظر حيروم نحو الأفق البعيد حيث تختفي السفن وراء زرقة البحر.
"سأذهب يا مولاي، لكنني لن أبني حجارة فحسب، بل سأبني أثراً يبقى بعد أن نفنى جميعاً."
بعد أسابيع، انطلقت القوافل محملة بأخشاب الأرز القادمة من جبال لبنان، وسارت السفن على طول الساحل، فيما كان حيروم يتقدم الحرفيين والمهندسين الصوريين نحو أورشليم. وهناك وقف أمام المشروع الذي طالما سمع عنه. أرض واسعة تنتظر أن تتحول إلى صرح يخلد ذكرى أمة وإيمان شعب.
بدأ العمل مع شروق كل يوم. كانت المطارق تدقّ بإيقاع يشبه نبض الحياة، والحجارة ترتفع طبقة فوق أخرى، والأعمدة البرونزية تلمع تحت الشمس. أما حيروم فكان يتنقل بين العمال، يعلّم هذا، ويوجّه ذاك، ويبتكر حلولاً لمشكلات لم يواجهها أحد من قبل.
مرت السنوات، وكبر البناء كما تكبر الشجرة العتيقة. وعندما اكتمل المعبد أخيراً، وقف سليمان يتأمل ما تحقق. لم يرَ أمامه مجرد مبنى، بل رأى ثمرة تعاون بين شعبين، وحلماً بدأ في ذهن ملك ورحل، ثم وجد من يحمله إلى النور.
أما حيروم أبي، فعاد إلى صور بهدوء كما غادرها. لم يطلب تمثالاً ولا قصراً ولا مكافأة. كان يكفيه أن يعرف أن بصمات أبناء مدينته باتت راسخة في أحد أشهر أبنية العالم القديم.
وفي المساء، جلس على شاطئ صور يراقب الأمواج وهي تعود إلى الميناء. ابتسم وهو يرى سفينة جديدة تتهيأ للإبحار نحو المجهول. أدرك أن المدن العظيمة لا تُخلّد بالحروب التي تخوضها، بل بما تبنيه للإنسان من علم وجمال وعمران. وكانت صور، كما عرفها دائماً، مدينة تبني أكثر مما تهدم، وتترك في التاريخ آثاراً أعمق من أن تمحوها القرون.