وسقطت الأسوار

تأليف أنطوان فضّول.
في ربيع عام 1453، كانت القسطنطينية تبدو كشيخٍ عجوز يرفض الاعتراف بقرب نهايته.
أسوارها العظيمة ما زالت واقفة، وأجراس كنائسها ما زالت تقرع كل صباح، لكن الخوف كان يتسلل إلى الأزقة الحجرية كما يتسلل الضباب من مياه القرن الذهبي.
كانت آنا، ابنة أحد النبلاء البيزنطيين، تقف كل مساء عند نافذة قصر والدها المطل على البحر.
لم تكن تراقب السفن العثمانية التي تحاصر المدينة، بل كانت تنتظر ظهور أندرونيكوس، الضابط الشاب الذي وعدها بأن يتزوجها بعد انتهاء الحرب.
كانا يحلمان بمستقبل بسيط وسط مدينة اعتادت أن تحلم بالإمبراطوريات.
كان أندرونيكوس يقول لها:
"عندما تنتهي هذه الغيوم، سنبني بيتاً صغيراً قرب البحر.
" فتبتسم وهي تصدقه، رغم أنها كانت تسمع دوي المدافع كل يوم يقترب أكثر.
لكن المدينة كانت تموت ببطء.
في الليلة التي شاهد فيها سكان القسطنطينية السفن العثمانية تعبر اليابسة نحو القرن الذهبي، أدرك الجميع أن شيئاً ما قد انكسر إلى الأبد.
لم تكن الأسوار وحدها في خطر، بل الأحلام أيضاً.
خرج أندرونيكوس مع المدافعين إلى المتاريس الأخيرة.
وقبل أن يغادر منح آنا خاتماً فضياً وقال:
"إن عدتُ فهو موعد زفافنا. وإن لم أعد، فتذكري أنني أحببتك أكثر من هذه المدينة.
" بكت للمرة الأولى.
وفي فجر التاسع والعشرين من مايو، دوّت الأبواق واهتزت الأرض تحت وقع الهجوم الكبير.
سقطت الأسوار.
وسقط معها أندرونيكوس.
لم يصل جسده إلى آنا، ولم تعرف أين دفن، لكن اسمه بقي معلقاً في قلبها كجرح مفتوح.
مرّت أسابيع بعد الفتح.
تغيرت المدينة بسرعة.
الأعلام تبدلت، واللغات اختلطت في الأسواق، والوجوه الجديدة ملأت الشوارع.
كانت آنا تعيش وحيدة في بيت صغير بعدما فقدت والدها وأقاربها خلال الحصار.
لم تعد تبكي كل يوم، لكنها كانت تشعر أن جزءاً منها دُفن تحت حجارة الأسوار المنهارة.
وذات صباح، بينما كانت تحمل جرّة ماء من أحد الآبار العامة، تعثرت وسقطت الجرّة من يديها.
قبل أن ترتطم بالأرض، أمسكها شاب بملابس عثمانية.
قال مبتسماً:
"يبدو أن المدينة ليست الوحيدة التي تحاول الوقوف من جديد.
" رفعت رأسها بتردد.
كان اسمه يوسف، كاتباً شاباً جاء مع الجيش العثماني، لا يجيد حمل السيف بقدر ما يجيد نسخ الكتب.
شكرته ببرود ومضت.
لكن المصادفات تكررت.
في السوق.
وفي الميناء.
وفي مكتبة قديمة كان يعمل على إنقاذ مخطوطاتها من الضياع.
كان يوسف مختلفاً عن الصورة التي رسمتها في ذهنها عن الغزاة.
لم يتحدث عن الحرب، بل عن الشعر.
لم يتحدث عن الانتصار، بل عن المدن التي تغير أصحابها ويبقى فيها البشر متشابهين.
ذات يوم سألها:
"هل تكرهينني لأنني عثماني؟"
أجابت بعد صمت طويل:
"لا أعرف. ربما لأنك تذكرني بأن عالمي انتهى.
" هز رأسه وقال:
"وأنا أراكِ تذكرينني بأن كل انتصار يخفي خسائر لا يراها المنتصرون.
" مع مرور الشهور، بدأت آنا تدرك أن حبها لأندرونيكوس لم يمت، لكنه تحول إلى ذكرى.
لم يعد وعداً بالمستقبل، بل جزءاً من الماضي.
أما يوسف، فكان يمثل شيئاً آخر.
لم يكن بديلاً عن حبيبها الأول.
كان بداية مختلفة.
بداية لا تقوم على الأحلام القديمة، بل على الاعتراف بأن الحياة تستمر حتى بعد سقوط المدن.
وفي مساء خريفي هادئ، وقفا معاً فوق أحد التلال المطلة على القسطنطينية.
كانت الشمس تغيب خلف القباب والمآذن الجديدة.
قالت آنا وهي تنظر إلى الأفق:
"عندما سقطت المدينة، ظننت أن كل شيء انتهى.
" ابتسم يوسف وأجاب:
"بعض الأشياء انتهت فعلاً. لكن النهاية أحياناً ليست سوى الباب الذي تدخل منه حياة أخرى.
" عندها أدركت أن القسطنطينية التي فقدتها لن تعود أبداً، وأن الحب الذي دفنته مع أندرونيكوس سيبقى جزءاً منها إلى الأبد.
لكن قلبها، مثل المدينة نفسها، كان قد بدأ يبني أسواره الجديدة.
فبين أنقاض إمبراطورية انتهت، وُلد حب آخر.
وكما بدأت القسطنطينية عهداً جديداً، بدأت آنا حياتها الجديدة أيضاً.