الأمازيغي الرفيق

تأليف أنطوان فضّول
في ليلة هادئة من ليالي الساحل المتوسطي، كانت الأمواج تتكسّر برفق على الصخور المقابلة لخليج واسع تحرسه جزر صغيرة تعجّ بطيور النورس.
وقف الفتى الأمازيغي "أكسيل" على ربوة مطلة على البحر، يراقب سفينة غريبة تقترب ببطء من الشاطئ.
لم يكن قد رأى من قبل سفينة بتلك الضخامة، بأشرعتها الأرجوانية الداكنة التي تعكس آخر خيوط الشمس الغاربة.
كان ذلك في زمن بعيد، قبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام، حين بدأت السفن الفينيقية القادمة من سواحل المشرق تشق طريقها نحو غرب البحر الأبيض المتوسط بحثاً عن المعادن والقمح والأخشاب والأسواق الجديدة.
في صباح اليوم التالي، نزل البحارة إلى الشاطئ.
كانوا يتحدثون لغة غريبة ويحملون بضائع لم ير أهل المنطقة مثلها من قبل.
زجاجاً شفافاً يلمع تحت الشمس، وأقمشة مصبوغة بالأرجوان الملكي، وحلياً دقيقة الصنع.
لم تكن هناك حروب ولا جيوش، بل لقاءات حذرة بدأت بالإشارات وتبادل السلع.
كان الفينيقيون يضعون بضائعهم على الرمال ويتراجعون قليلاً، فيأتي السكان المحليون ويضعون ما يرونه مناسباً من النحاس والجلود والحبوب، لتنشأ بذلك تجارة صامتة نسجت أولى خيوط العلاقة بين الضفتين.
مرت السنوات، وتحوّلت الزيارات الموسمية إلى حضور دائم.
وعلى الخليج الذي أعجبهم بموقعه الاستراتيجي، قرر الفينيقيون إنشاء محطة تجارية كبيرة أطلقوا عليها اسم "إكوزيوم"، أي جزيرة النوارس.
هناك، حيث تقوم الجزائر العاصمة اليوم، ارتفعت المخازن الخشبية والأرصفة الحجرية، وامتلأ الميناء بالسفن القادمة من صور وصيدا وقرطاجة.
كبر أكسيل وأصبح تاجراً معروفاً.
كان يجلس في سوق إكوزيوم يتابع حركة الناس القادمة من كل الجهات.
أمازيغ من الجبال والهضاب، وبحارة فينيقيون يحملون أخبار المدن البعيدة، وحرفيون يصنعون الجرار والأواني التي ستعبر البحر نحو أسواق مجهولة.
أدرك أن مدينته الصغيرة لم تعد مجرد قرية ساحلية، بل أصبحت بوابة بين إفريقيا والعالم المتوسطي.
ومع ازدهار إكوزيوم، امتدت شبكة المدن الفينيقية على طول الساحل.
شرقاً قامت هيبون على شواطئ عنابة الحالية، وروسيكاد في موقع سكيكدة، وإيول حيث تقوم شرشال، وتيبازة التي تحولت إلى محطة مزدهرة تستقبل السفن والمسافرين والتجار.
لكن طموح الفينيقيين لم يتوقف عند البحر.
فقد أدركوا أن ثروات البلاد الحقيقية تكمن في الداخل، خلف السهول والجبال.
وهكذا بدأت القوافل تتوغل نحو أراضي نوميديا الشرقية.
كانت الطرق الترابية تعج بالإبل والخيول المحملة بالبضائع، تربط بين الساحل ومدن مثل تغاست ومدوروس وتيفست.
هناك نشأت علاقات جديدة بين التجار الفينيقيين والقبائل الأمازيغية، ليس على أساس السيطرة، بل على المصالح المشتركة والتحالفات التجارية.
وفي إحدى رحلاته إلى الداخل، رافق أكسيل تاجراً فينيقياً يُدعى "أدونيرام".
عبر الاثنان السهول الذهبية حيث تتمايل سنابل القمح، وشاهدا مناجم النحاس والحديد التي كانت تجذب التجار من مختلف أنحاء البحر المتوسط.
قال أدونيرام وهو يتأمل الجبال البعيدة: "هذه الأرض غنية أكثر مما يتخيل الناس.
هنا يلتقي البحر بالجبل، والتجارة بالحكمة.
" ابتسم أكسيل وأجابه: "ولهذا سيبقى الناس يأتون إليها مهما تبدلت الأزمنة.
" مرت العقود، وتعاقبت الأجيال.
ازدهرت المدن وكبرت الموانئ، وتحولت الجزائر القديمة إلى عقدة تجارية مهمة تربط الشرق بالغرب.
كانت السفن تغادر محملة بالقمح والزيتون والجلود والأخشاب والمرجان والمعادن، وتعود محملة بالزجاج الفينيقي والأقمشة الفاخرة والأدوات المعدنية والمجوهرات.
ومع مرور القرون، تعاقبت على المنطقة حضارات وإمبراطوريات كثيرة.
لكن آثار الفينيقيين لم تختفِ تماماً.
فقد بقيت مدفونة تحت طبقات الزمن في قلب القصبة القديمة، تنتظر من يعثر عليها.
وحين بدأ علماء الآثار حفرياتهم بعد آلاف السنين، اكتشفوا بقايا معابد بونيقية وجراراً فخارية وعملات برونزية وفضية كانت شاهدة صامتة على زمن ازدهرت فيه إكوزيوم كميناء عالمي صغير على ضفاف المتوسط.
واليوم، حين يقف الزائر على مرتفعات الجزائر العاصمة وينظر إلى البحر، قد لا يرى السفن الفينيقية أو يسمع أصوات التجار القدامى، لكنه يقف فوق أرض حملت واحدة من أقدم قصص التواصل الحضاري في شمال إفريقيا.
هناك التقت براعة البحارة الفينيقيين بأصالة الأمازيغ، فصنعا معاً حكاية لم تنتهِ فصولها، بل ما زالت حاضرة في المدن والأسواق والذاكرة، وفي كل موجة تصل إلى الشاطئ حاملةً صدى ذلك اللقاء الأول بين الشرق والغرب.