الجزائر والبدايات الفينيقية
كتب أنطوان فضّول:
لم يكن الحضور الفينيقي في الجزائر وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل من الرحلات البحرية والاستكشافات التجارية التي قادها البحارة الفينيقيون نحو سواحل شمال إفريقيا منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
وفي بداياته اقتصر هذا الحضور على محطات تجارية ساحلية مؤقتة اعتمدت على التبادل مع السكان الأمازيغ، قبل أن يتحول تدريجياً إلى استقرار دائم أفضى إلى قيام شبكة واسعة من الموانئ والمراكز التجارية المرتبطة بقرطاجة، ولا سيما بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد.
وقد أسهم هذا النشاط في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة من خلال إدخال تقنيات زراعية وصناعية جديدة، وربط سواحل شمال إفريقيا بشبكة التجارة المتوسطية الممتدة إلى المرافئ الفينيقية في المشرق.
وتُعد مدينة الجزائر العاصمة من أبرز الشواهد على براعة الفينيقيين في اختيار المواقع الاستراتيجية.
فقد أسسوا في القرن السادس قبل الميلاد مركزاً تجارياً بحرياً حمل اسم «إيكوسيوم» أو «إكوزيوم»، مع وجود دلائل تشير إلى معرفتهم بالموقع وزيارته في فترات أقدم.
ويرتبط الاسم، بحسب التفسير الأكثر شيوعاً، بعبارة فينيقية تعني «جزيرة النوارس»، نسبة إلى الطيور التي كانت تنتشر على الجزر الصخرية القريبة من الساحل، فيما تذهب روايات أخرى متأخرة إلى أصل يوناني للاسم يعني «الجزيرة العشرين».
ويشغل حي القصبة التاريخي اليوم موقع المدينة القديمة، بينما ما تزال العاصمة تحتفظ بألقاب اشتهرت بها عبر العصور، مثل البهجة والمحروسة والجزائر البيضاء.
وامتد الوجود الفينيقي على طول الساحل الجزائري حيث نشأت مجموعة من المراكز التجارية والمدن التي استمرت في أداء دورها الحضاري حتى يومنا هذا.
ومن أبرز هذه المواقع إكوزيوم (الجزائر العاصمة)، وهيبون (عنابة)، وروسيكاد (سكيكدة)، وإيول (شرشال)، إضافة إلى تيبازة التي ما زالت آثارها شاهدة على عمق الامتداد البونيقي والقرطاجي في المنطقة.
غير أن النشاط الفينيقي لم يقتصر على الشريط الساحلي، بل تجاوز الموانئ إلى المناطق الداخلية، مدفوعاً بحاجات التجارة وبناء التحالفات مع القوى المحلية.
وبرز هذا التوسع خصوصاً في نوميديا الشرقية التي حظيت بعلاقات وثيقة مع الفينيقيين، واحتضنت عدداً من المراكز المهمة مثل تغاست (سوق أهراس الحالية)، ومدوروس (مداوروش)، وتيفست (تبسة).
وقد كشفت الحفريات والتنقيبات الأثرية في العاصمة الجزائرية، ولا سيما في محيط القصبة وتحت الطبقات الرومانية والإسلامية، عن شواهد بونيقية وفينيقية ذات قيمة تاريخية كبيرة.
ومن أبرز هذه المكتشفات واجهة معبد بونيقي عُثر عليها في منطقة نهج القصر القديم وتحمل رموزاً دينية مرتبطة بالمعتقدات الفينيقية والقرطاجية، إلى جانب مجموعة من الجرار والأواني الفخارية التي استُخدمت في حفظ العطور والسلع التجارية، فضلاً عن عملات برونزية وفضية تؤكد ازدهار النشاط الاقتصادي واستمراره خلال العهدين البونيقي والنوميدي.
وشكّل التبادل التجاري الركيزة الأساسية للعلاقة بين الفينيقيين وسكان السواحل الجزائرية.
فقد استورد التجار الفينيقيون من البلاد موارد طبيعية متنوعة، في مقدمتها الحديد والنحاس، إضافة إلى الحبوب والزيتون والجلود والأخشاب والمرجان.
وفي المقابل نقلوا إلى المنطقة منتجاتهم وصناعاتهم المتطورة، ومنها المنسوجات المصبوغة بالأرجوان الصوري، والأواني الزجاجية، والفخار الفاخر، والأدوات المعدنية المصنوعة من البرونز والحديد، فضلاً عن الحلي والمجوهرات الدقيقة.
ويؤكد هذا الإرث الحضاري العريق أن الجزائر شكّلت عبر التاريخ إحدى أهم حلقات الوصل في قلب البحر الأبيض المتوسط، حيث تلاقت الخبرة التجارية الفينيقية مع الجذور الحضارية الأمازيغية، لتنشأ مدن ومراكز عمرانية تركت بصمتها العميقة في تاريخ المنطقة واستمرت آثارها شاهدة على ذلك حتى اليوم.
هذه الصياغة أقرب إلى الأسلوب التاريخي الصحافي الرصين، مع الحفاظ على جميع المعلومات الواردة في النص الأصلي وتجنب التعداد المدرسي المباشر.