كتب أنطوان فضّول:
في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، كانت المقابر في بريطانيا واسكتلندا تخفي وراء ضبابها الكثيف جانباً قاتماً من تاريخ الطب.
فقد شهدت كليات الطب آنذاك توسعاً كبيراً في دراسة التشريح وتدريب الجراحين، ما خلق حاجة متزايدة إلى الجثث البشرية.
غير أنّ القوانين كانت تسمح باستخدام جثث المجرمين الذين يُنفذ بهم حكم الإعدام فقط، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد ورفع قيمة الجثث إلى مستويات غير مسبوقة.
وسط هذه الأزمة، ظهرت عصابات متخصصة بنبش القبور، عُرفت باسم “القياميين” أو “ناهبي الجثث”.
كان أفرادها يتسللون ليلاً إلى المقابر الحديثة مستخدمين أدوات صامتة وفوانيس خافتة، فيحفرون بعناية حتى يصلوا إلى التوابيت، ثم ينتزعون الجثث الطازجة وينقلونها سراً إلى كليات الطب.
ولتفادي تهمة السرقة، كانوا يتركون الملابس والمقتنيات داخل القبر، مكتفين بمخالفة “انتهاك حرمة الموتى” التي كانت عقوبتها أخف.
في الجهة الأخرى، كانت بعض كليات الطب والجراحين البارزين يستقبلون هذه الجثث عبر الأبواب الخلفية، ويدفعون مبالغ كبيرة لقاء استمرار دروس التشريح أمام الطلاب.
وهكذا نشأت علاقة خفية جمعت بين التقدم العلمي والجريمة المنظمة، في مشهد اختلطت فيه المعرفة برائحة الموت.
ومع تصاعد الخوف، لجأت العائلات إلى وسائل مختلفة لحماية قبور موتاها، مثل إقامة أقفاص حديدية فوق القبور أو تكليف حراس بمراقبة المقابر حتى تتحلل الجثث وتفقد قيمتها بالنسبة للمشارح.
لاحقاً، تحولت هذه التجارة إلى مستوى أكثر دموية، حين لجأ بعض المجرمين، ومن أبرزهم الثنائي الشهير “بيرك وهير” في إدنبرة، إلى قتل أشخاص أحياء وبيع جثثهم مباشرة للأطباء.
أثارت هذه الجرائم صدمة وغضباً واسعين في المجتمع البريطاني، ما دفع السلطات إلى إصدار “قانون التشريح” عام 1832، الذي نظم الحصول على الجثث بطرق قانونية ووضع حداً لعصر نابشي القبور، تاركاً وراءه فصلاً مظلماً من تاريخ الطب الحديث.