كتب أنطوان فضّول:
يُعدّ سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين في العام 1453 أحد أبرز المنعطفات في التاريخ العالمي، إذ نجح السلطان العثماني محمد الثاني، المعروف بمحمد الفاتح، في السيطرة على عاصمة الإمبراطورية البيزنطية بعد حصار طويل ومعارك عنيفة انتهت بسقوط المدينة في أيدي العثمانيين.
وقد شكّل هذا الحدث نهاية دولة استمرت أكثر من أحد عشر قرناً، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسع خلالها النفوذ العثماني في آسيا وأوروبا.
احتلت القسطنطينية موقعاً استراتيجياً فريداً بين الشرق والغرب، عند ملتقى بحر مرمرة ومضيق البوسفور والقرن الذهبي، ما جعلها مركزاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بالغ الأهمية.
ومنذ ظهور الإسلام، ارتبطت المدينة بطموح المسلمين في فتحها، مدفوعين بأهميتها الاستراتيجية وبالبشارة النبوية التي تحدثت عن فتحها وأشادت بأمير الجيش الذي يحقق ذلك الإنجاز.
شهدت القرون الإسلامية الأولى سلسلة من المحاولات للوصول إلى القسطنطينية.
ففي العصر الأموي، أرسل معاوية بن أبي سفيان حملات متتالية نحو المدينة، إلا أن تحصيناتها القوية حالت دون تحقيق الهدف المنشود.
كما فرض مسلمة بن عبد الملك حصاراً عليها بين عامي 716 و718، لكنه لم ينجح في اقتحامها.
واستمرت المحاولات خلال العصور اللاحقة، حتى أصبحت القسطنطينية هدفاً دائماً للسلاطين العثمانيين.
ومع صعود الدولة العثمانية، ازدادت الضغوط على الإمبراطورية البيزنطية التي أخذت تفقد نفوذها تدريجياً.
فقد نجح السلاطين العثمانيون في توسيع رقعة دولتهم حول المدينة، وأبرموا اتفاقات فرضت على الأباطرة البيزنطيين تقديم الجزية وطلب المساندة العثمانية في نزاعاتهم الداخلية، ما عكس حجم التراجع الذي كانت تعيشه بيزنطة قبل سقوطها النهائي.
عندما تولى السلطان محمد الثاني العرش سنة 1451، جعل فتح القسطنطينية هدفه الأول.
فباشر إعداد خطة عسكرية شاملة، وعمل على تأمين حدوده من خلال المعاهدات والتحالفات، كما عزز قوته العسكرية ببناء القلاع وتطوير المدفعية وتوسيع الأسطول البحري.
ومن أبرز إنجازاته في هذا المجال تشييد قلعة روملي حصار على ضفاف البوسفور، بهدف التحكم بحركة الملاحة وقطع الإمدادات عن المدينة.
كما استعان السلطان بالمهندسين لصناعة مدافع ضخمة قادرة على تحطيم الأسوار التي عُرفت بمناعتها، وجمع جيشاً كبيراً وأساطيل بحرية استعداداً للمعركة الحاسمة.
وفي الوقت نفسه، لعب العلماء والمربون دوراً مهماً في ترسيخ عزيمته وتشجيعه على المضي في مشروع الفتح.
في الخامس من أبريل عام 1453 بدأت القوات العثمانية حصار القسطنطينية.
أحكم الجيش الطوق البري حول المدينة، فيما انتشرت السفن في المياه المحيطة بها.
غير أن السلسلة الحديدية الضخمة التي أغلقت مدخل القرن الذهبي منعت الأسطول العثماني من التقدم إلى داخل الخليج، ما شكل عقبة كبيرة أمام المهاجمين.
أمام هذا التحدي، لجأ السلطان محمد الفاتح إلى واحدة من أكثر الخطط العسكرية جرأة في التاريخ، فأمر بنقل السفن براً فوق ألواح خشبية مدهونة بالزيت من منطقة البوسفور إلى مياه القرن الذهبي.
وخلال ليلة واحدة تمكن العثمانيون من جر أكثر من سبعين سفينة إلى داخل الخليج، الأمر الذي فاجأ المدافعين وقلب موازين المعركة.
استمرت المواجهات نحو خمسين يوماً، استخدمت خلالها المدافع الثقيلة لقصف الأسوار بشكل متواصل، فيما حاول العثمانيون التسلل عبر الأنفاق والهجمات المتكررة.
ومع تزايد الضغوط العسكرية وتراجع معنويات المدافعين، بات سقوط المدينة أمراً وشيكاً.
وفي فجر التاسع والعشرين من مايو عام 1453، أطلق السلطان محمد الفاتح الهجوم الشامل على القسطنطينية.
وتقدمت القوات العثمانية من عدة محاور في وقت واحد، حتى تمكنت من اختراق الأسوار والدخول إلى المدينة.
وخلال المعارك قُتل الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر، لتسقط بذلك آخر معاقل الإمبراطورية البيزنطية.
أحدث سقوط القسطنطينية تحولاً عميقاً في تاريخ العالم.
فقد أنهى وجود الإمبراطورية البيزنطية التي ورثت تقاليد الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ورسخ مكانة الدولة العثمانية كقوة عالمية كبرى.
كما أثار الحدث صدمة واسعة في أوروبا، التي رأت فيه تغيراً جذرياً في موازين القوى وتهديداً مباشراً لمصالحها.
وعقب دخوله المدينة، توجّه السلطان محمد الفاتح إلى آيا صوفيا، حيث طمأن السكان وأعلن الأمان لهم، قبل أن يحوّل المبنى إلى مسجد ويقيم فيه أول صلاة جمعة بعد الفتح.
كما أرسل رسائل إلى حكام البلدان الإسلامية يبشرهم بالنصر، فاستقبل العالم الإسلامي الخبر بفرح كبير، واعتُبر فتح القسطنطينية واحداً من أعظم الإنجازات العسكرية والسياسية في التاريخ الإسلامي.