كتب أنطوان فضّول:
عاشت الجمهورية الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد مخاضاً عسيراً، وتخبطت في فوضى سياسية طاحنة واضطرابات اجتماعية مزقت أوصالها.
طغت طموحات القادة العسكريين على سلطة مجلس الشيوخ، وباتت العاصمة مسرحاً لصراعات النفوذ والثروة.
في هذا المناخ المشحون بالتوتر والترقب، لمع اسم يوليوس قيصر.
جمع هذا الرجل في شخصيته تناقضات أذهلت التاريخ، ومزج ببراعة فائقة بين عبقرية القائد العسكري ودهاء السياسي المحنك.
ظهرت ثقته المفرطة بنفسه في شبابه المبكر بطريقة تكاد تكون أسطورية.
وقع أسيراً في قبضة قراصنة البحر المتوسط، وتعامل معهم بكبرياء السيد المطاع.
أمر مختطفيه برفع قيمة فدية إطلاق سراحه لتليق بمقامه، ووعدهم بأنه سيعود إليهم ليعاقبهم.
ونفذ وعده بحذافيره فور عودته بأسطول مسلح، ليثبت لروما وللعالم قسوته المتأصلة وقوة إرادته.
وجه قيصر أنظاره بعد ذلك نحو بلاد الغال، وسطر هناك ملاحم عسكرية دموية غيّرت خريطة أوروبا إلى حد بعيد.
استخدم تكتيكات حربية سابقة لعصرها، وأخضع القبائل السلتية الواحدة تلو الأخرى في حملات قاسية امتدت لسنوات ثمانية.
رافق هذا المجد العسكري دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.
وفي بعض مراحل الحرب، أمر قيصر بتشديد القمع ضد المتمردين، وسعى إلى بث الرعب في نفوس خصومه.
تحولت قرى ومدن الغال إلى رماد، وسقطت أعداد ضخمة من القتلى والأسرى، بينما سيق كثيرون إلى العبودية.
وأظهرت هذه الفظائع استعداده المطلق لدفع أي ثمن من دماء الآخرين في سبيل إشباع طموحه الشخصي وتأمين نفوذه.
وقف القائد المظفر، المثقل بالغنائم والدماء، أمام مياه نهر الروبيكون، واتخذ قراراً قلب موازين القوى.
أمر جنوده بعبور النهر، معلناً بداية حرب أهلية طاحنة ضد خصومه في مجلس الشيوخ.
اختار مجده الشخصي، وفضل سحق التقاليد الجمهورية العريقة لبناء سلطته الخاصة.
واجه غريمه بومبيوس وأقصاه من المشهد، ليصبح صاحب الكلمة الأقوى في روما.
امتدت طموحاته نحو الشرق الساحر، وهناك نسج خيوط علاقة تاريخية مع كليوباترا، ملكة مصر، ليمزج سحر الشرق بقوة الغرب ويؤمن مصالحه في وادي النيل.
عاد قيصر إلى العاصمة ليعيد هيكلة الدولة من جذورها.
أطلق إصلاحات إدارية واجتماعية جذرية، وعدّل التقويم الزمني ليصبح "التقويم اليولياني" الذي استمر قيد الاستخدام لقرون طويلة.
كما منح العفو للعديد من خصومه السابقين، وأظهر تسامحاً سياسياً محسوباً في بعض المواقف لتعزيز استقرار حكمه وكسب تأييد الشعب.
توج يوليوس قيصر مسيرته بإعلان نفسه دكتاتوراً مدى الحياة، واحتكر السلطة المطلقة في يديه بقوة السيف والقانون.
أسس هذا القرار لانهيار ما تبقى من توازنات الجمهورية الرومانية، ومهد الطريق لولادة الإمبراطورية.
ترك قيصر إرثاً يفيض بالإنجازات العمرانية والسياسية، وحفر اسمه بحروف من نار كأحد أعظم القادة وأكثرهم إثارة للجدل في التاريخ.
رجلاً بنى أمجاده فوق أنقاض النظام القديم وجماجم الآخرين، وعاش حياة حافلة بالانتصارات الساحقة، والمجازر المروعة، والطموح الذي عانق السماء.