مولوخ: بين الأسطورة والرمز السياسي

من هو “مولوخ”؟
يَرِد اسم مولوخ (أو مولِك / مولك) في نصوص قديمة في الشرق الأدنى، لا سيّما في العهد القديم، بوصفه إلهاً ارتبط بطقوس نارية مثيرة للجدل.
ويُعتقد أنّ الاسم مشتق من الجذر السامي “ملك” الذي يعني “الملك”، ما يجعل بعض الباحثين يرجّحون أنّه لم يكن اسم إله مستقل بقدر ما كان لقباً أو توصيفاً لطقس معيّن.
في التراث الفينيقي – القرطاجي، وخصوصاً في مدينة قرطاج، ارتبطت صورة “مولوخ” بما يُعرف بـ“التوفِت” (Tophet)، وهي مواقع أثرية عُثر فيها على جرار تحتوي على بقايا رماد وعظام أطفال. وقد أثار ذلك جدلاً تاريخياً واسعاً:
هل كانت هذه بقايا تضحيات بشرية فعلية، أم مقابر لأطفال ماتوا لأسباب طبيعية ثم أُحرقوا وفق طقوس دينية؟
لا يوجد حتى اليوم إجماع علمي حاسم، لكن الصورة التي ترسّخت في الذاكرة الدينية والأدبية الغربية قدّمت “مولوخ” بوصفه إلهاً تُقدَّم له القرابين البشرية بالنار.

مولوخ في المخيال الديني والأدبي
في النصوص التوراتية، يظهر مولوخ كرمز لعبادة محرّمة، تُدينها الشريعة العبرانية بشدّة.
ثم انتقلت صورته إلى الأدب الأوروبي، حيث صوّره الشاعر الإنجليزي John Milton في ملحمته الفردوس المفقود كأحد شياطين الجحيم، مجسّداً العنف الأعمى والتدمير.
ومنذ ذلك الحين، أصبح “مولوخ” رمزاً ثقافياً يتجاوز معناه الديني الأصلي، ليدلّ على القوة المتوحشة التي تطلب الدم باسم العقيدة أو السلطة.

مولوخ في الأدبيات السياسية الحديثة
في الفكر السياسي المعاصر، لم يعد “مولوخ” إلهاً، بل استعارة.
يُستخدم المصطلح للدلالة على:
أنظمة استبدادية “تأكل أبناءها”، أي تضحّي بشعبها للبقاء في السلطة.
حروب عبثية تستهلك الأجيال الشابة دون أفق.
أيديولوجيات متطرفة تبرّر العنف باسم المقدّس أو القومية.
حتى في النقد الاقتصادي، استُخدم “مولوخ” لوصف الرأسمالية المتوحشة أو البيروقراطيات الضخمة التي تسحق الإنسان الفرد.
بهذا المعنى، صار “مولوخ” رمزاً لكل منظومة تتحوّل من وسيلة لخدمة الإنسان إلى آلة تلتهمه.
بين الأسطورة والواقع
قوة “مولوخ” ليست في ثبوت قصته تاريخياً، بل في فاعلية رمزيته.
هو صورة النار التي تُشعل باسم السماء، لكنها تحرق الأرض.
هو السلطة حين تفقد إنسانيتها.
وهو التحذير الدائم من أن يتحوّل المقدّس أو الوطني أو الأيديولوجي إلى مبرّر لإفناء البشر.
لذلك، كلما اشتعلت حرب طويلة، أو سقط جيل كامل في طاحونة صراع، يعود اسم “مولوخ” إلى الواجهة، لا كإله قديم، بل كمرآة لواقع يتكرر بأشكال مختلفة.