النبيذ الفينيقي ووعاؤه
لم يكتف الفينيقيون بصناعة النبيذ فحسب، بل أحدثوا ثورة في طريقة تعبئته ونقله، مستخدمين وعاءً محددًا تطوّر على مر القرون ليصبح المعيار الذهبي للتجارة في البحر المتوسط.
قبل انتشار مصطلح "الأمفورا"، كانوا يستخدمون ما يسميه علماء الآثار الجرّة الكنعانية، والتي كانت تتميز بكتف مشطوف وقاعدة مدببة سمحت بتثبيتها في الرمال على أرضية السفينة أو تكديسها في طبقات بحيث تثبت الجرار العليا بين الفراغات الموجودة أسفلها.
مع ازدياد حجم التجارة بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد، أصبح تصميم الجرار أكثر توحيدًا للإنتاج الكمي والشحن لمسافات طويلة، حيث تم تزويدها بأضلاع أفقية على الجسم لتقوية السيراميك دون زيادة الوزن، ومقابض صغيرة وملتصقة بالجسم لمنع كسرها خلال الرحلات البحرية العاصفة، مع سعة تتراوح بين 20 و30 لترًا، وهو وزن يمكن لعامل واحد رفعه وحمله بسهولة.
لحماية النبيذ من التسرب أو التحول إلى خل، طور الفينيقيون تقنيات متقدمة تضمنت طلاء الداخل بالقطران المستخرج من أشجار الصنوبر ليجعل الجرّة مقاومة للماء ويمنح النبيذ نكهة راتنجية تشبه نكهة النبيذ اليوناني الحديث، كما كانوا يضعون طبقة رقيقة من زيت الزيتون على سطح النبيذ قبل إحكام الغطاء لمنع الأكسدة، ويستخدمون سدادات من خشب الصنوبر أو الفلين مثبتة بخليط من الجير والطين والراتنج.
تشير الحفريات في تل البراق إلى أن أمفورات النقل شكلت أكثر من 57٪ من كل الفخار المكتشف، ما يعكس تركيز مصانع الفينيقيين على التصدير وليس فقط على الاستهلاك المحلي.