فينيقي على عرش القسطنطينية

بقلم: أنطوان فضّول
كان ليو الثالث، الفينيقي الماروني الذي حكم الإمبراطورية البيزنطية بين عامَي 717 و741، إمبراطورًا استثنائيًا بكل المقاييس.
فقد كانت جذوره الكنعانية ضاربة في أرض فينيقيا القديمة، معقل الحضارة الفينيقية التي تركت بصمة عميقة في شرق البحر المتوسط.
وُلد نحو عام 680 في مدينة مرعش (جرمانيكية) شمال حلب، وهي منطقة كانت ضمن المجال الحضاري الفينيقي، وسكنتها جماعات مسيحية شرقية عُرفت بصمودها في وجه القوى الأجنبية، ولا سيما الأمويين الذين شكّلوا تهديدًا للمناطق الشرقية من الإمبراطورية.
كانت عائلته تنتمي إلى الموارنة أو المردة أو الجراجمة (ولا يوجد حسم تاريخي كامل حول ذلك، لكنها بالتأكيد كانت من إحدى هذه الجماعات)، وهي مجموعات اشتهرت بشجاعتها وقدرتها على الدفاع عن أرضها ومجتمعاتها في مواجهة الغزاة.
وقد شكّلت هذه الجماعات جزءًا أساسيًا من النسيج الفينيقي الأصيل، محافظةً على لغتها وثقافتها وأسلوب حياتها.
وكان الإمبراطور جستنيان الثاني قد نقل عائلة ليو قسرًا إلى تراقيا بعيدًا عن موطنها الأصلي، غير أن هذا المنفى لم يمحُ هويته الفينيقية؛ فقد حمل في عروقه روح الفينيقيين وذكاءهم وشجاعتهم، وهي الصفات نفسها التي حمت سهول وجبال لبنان وسواحله الفينيقية عبر القرون.
ليو الثالث:
قائد عسكري وحامي الفينيقيين
كان ليو الثالث قائدًا عسكريًا من الطراز الرفيع.
وخلال الحصار العربي للقسطنطينية بين عامَي 717 و718، أظهر مهارة استثنائية في التنظيم والتخطيط الاستراتيجي، مستفيدًا من تحصينات المدينة الهائلة، ومن سلاح «النار الإغريقية»، إضافة إلى تحالفاته مع البلغار.
ولم يؤدِّ هذا الانتصار إلى حماية العاصمة فحسب، بل ساهم أيضًا في ترسيخ الاستقرار في مختلف أنحاء شرق المتوسط، بما في ذلك جبل لبنان، الحصن الطبيعي للفينيقيين وموطن الموارنة والمردة.
كان جبل لبنان بمثابة قلعة طبيعية للفينيقيين بفضل تضاريسه الوعرة ومنحدراته الشاهقة وسواحله الاستراتيجية.
وقد شكّل المردة الموارنة، وهم محاربون جبليون فينيقيون، قوة محلية صلبة قادرة على صدّ الغزاة.
ومع دعم ليو الثالث، حظوا بإسناد سياسي وعسكري مباشر من الإمبراطور نفسه، ما ضمن لهم الحرية والحماية على المستويين الديني والثقافي.
كما عمل ليو على تعزيز الدفاعات الساحلية والداخلية في المناطق الفينيقية، وساهم في استقرار الإدارة المحلية لدى المردة الموارنة.
وحتى المعاهدات التي عُقدت أحيانًا بين البيزنطيين والأمويين، والتي لم تلقَ دائمًا رضى الموارنة، لم تنتقص من حرصه على حماية الفينيقيين.
ويُظهر ذلك أن الإمبراطور كان يضع أمنهم وبقاءهم في المقام الأول، لا بوصفهم حراسًا للجبال فحسب، بل أيضًا باعتبارهم حَمَلةً للهوية والثقافة الفينيقيتين.
الإصلاحات الإدارية والقانونية
لم تقتصر إنجازات ليو على الميدان العسكري.
فقد أعاد تنظيم الإدارة الإمبراطورية بذكاء، فطوّر نظام الأقاليم العسكرية والإدارية، وأصلح النظام الضريبي، وأعاد توزيع الأراضي بما يضمن فعالية الحكم والسيطرة على المناطق الحدودية، بما فيها الأراضي الفينيقية وجبل لبنان.
وقد ساهم ذلك في حماية السكان المدنيين والمسيحيين الشرقيين ذوي الجذور الفينيقية.
أما إصلاحاته القانونية، فقد تجسدت في مجموعة القوانين المعروفة باسم «الإكلوغا» (Ecloga)، التي أصدرها سنة 726.
وقد حدّثت هذه المجموعة التشريعات الأقدم التي وضعها جستنيان، مضيفةً إليها عناصر مسيحية وشرقية.
وأسهمت في تحسين أوضاع الفلاحين ومنحهم مزيدًا من الحريات، كما أدخلت إصلاحات على قوانين الأسرة والملاحة البحرية، وكل ذلك بهدف تعزيز قوة الإمبراطورية وحماية سكانها، بمن فيهم الفينيقيون المقيمون في الجبال والسهول والمناطق الساحلية.
الجدل الديني وتحطيم الأيقونات
يُعرف ليو الثالث على نطاق واسع بكونه صاحب المبادرة في حركة تحطيم الأيقونات، أي منع تبجيل الصور والرموز الدينية، وهو ما أدّى إلى صدام كبير مع البابا والرهبان.
إلا أن هذه الحركة لم تُضعف التزامه العميق بالمسيحية الشرقية المشبعة بروح التراث الفينيقي وطقوسه.
فقد كان هدفه الأساسي توحيد الإمبراطورية وحماية المسيحيين الشرقيين، خصوصًا في مواجهة تنامي النفوذ العربي والإسلامي.
ورغم الخلافات التي أثارتها قضية الأيقونات، ظلّ ليو مدافعًا عن الهوية الفينيقية المسيحية، معتبرًا أن حماية الشعب وإيمانه تتقدّم على النزاعات اللاهوتية.
ويعكس ذلك إدراكه العميق لتاريخ الفينيقيين وحضارتهم.
فخر لبناني بليو الثالث
يشكّل ليو الثالث، بحسب هذا الطرح، دليلًا حيًا على أن الفينيقيين، ولا سيما أبناء جبل لبنان، لم يختفوا من التاريخ، بل تركوا فيه أثرًا بارزًا:
بلغ أعلى سلطة في العالم الشرقي عندما حكم الإمبراطورية البيزنطية بأسرها.
ساهم في حماية جبل لبنان والفينيقيين من الغزوات العربية، مما عزز استقرار المنطقة.
دعم المردة الموارنة والفينيقيين في الجبال والسهول وعلى السواحل، وحافظ على حريتهم وتمسكهم بدينهم وتراثهم.
ترك إرثًا إداريًا وقانونيًا طويل الأمد ساهم في تحسين حياة السكان وتأمين المناطق الساحلية الفينيقية.
لهذه الأسباب، يرى كاتب المقال أن اللبنانيين عمومًا، ولا سيما أبناء جبل لبنان التاريخي ذي الجذور الفينيقية، يملكون أسبابًا وجيهة للفخر بليو الثالث.
فهو يجسد قدرة الفينيقيين على بلوغ أعلى المراتب، وأن يصبحوا قادة عسكريين وإداريين، وأن يحافظوا على هويتهم وتراثهم حتى في أصعب الظروف.
ولذلك يُنظر إليه بوصفه رمزًا للفينيقي الصامد والحكيم والحامي، ويستحق أن يُكرَّم وأن يُحفظ تاريخه كجزء من الهوية اللبنانية الغنية.
أُعِدَّ هذا المقال من قبل «حركة جبل لبنان الفينيقي».
وعند إعادة النشر، يُرجى الإشارة إلى اسم الكاتب أو مشاركة النص من مصدره الأصلي حفاظًا على الأمانة الفكرية.