غرق التايتنك

المأساة التي ابتلعت أحلام المهاجرين اللبنانيين في عرض الأطلسي كتب أنطوان فضّول: في ليلةٍ باردة من ليالي الخامس عشر من نيسان 1912، غمرت المياه الجليدية أحلام آلاف البشر الذين سافروا على متن الباخرة البريطانية RMS Titanic نحو “العالم الجديد”.
التايتنك، التي وُصفت يومها بـ“السفينة التي لا تغرق”، كانت تمثّل ذروة الثورة الصناعية البحرية في مطلع القرن العشرين، قبل أن تتحول خلال ساعات قليلة إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تأثيراً في التاريخ الحديث.
أبحرت التايتنك من ميناء ساوثهامبتون البريطاني في 10 نيسان 1912 متجهة إلى نيويورك، مروراً بشيربورغ الفرنسية وكوينزتاون الإيرلندية.
وكانت مملوكة من شركة White Star Line وتُعدّ في زمنها أعجوبة هندسية؛ إذ بلغ طولها نحو 269 متراً، وزُوّدت بأحدث تقنيات الملاحة والبناء البحري.
وعلى متنها أكثر من 2200 راكب وبحّار، ينتمون إلى طبقات اجتماعية وقوميات متعددة، من أثرياء أوروبا إلى مهاجرين فقراء حملوا معهم حقائب صغيرة وأحلاماً كبيرة.
غير أنّ الرحلة الأسطورية انتهت بمأساة عندما اصطدمت السفينة بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي قبيل منتصف ليل 14 نيسان.
وبعد أقل من ثلاث ساعات، غرقت بالكامل في المياه المتجمدة، ليلقى أكثر من 1500 شخص مصرعهم، في واحدة من أكبر الكوارث البحرية المدنية في التاريخ.
وسط هذه الكارثة العالمية، برز فصل إنساني قلّما أُضيء عليه: قصة الركاب اللبنانيين الذين كانوا على متن السفينة.
ففي ذلك الزمن، لم يكن لبنان قد أصبح دولة مستقلة بعد، بل كان جزءاً من السلطنة العثمانية.
لذلك سُجّل كثير من اللبنانيين في لوائح السفر تحت صفة “Ottoman subjects”.
وتشير الدراسات التاريخية الحديثة، إلى أنّ عدد الركاب الناطقين بالعربية على متن التايتنك تراوح بين 145 و165 راكباً، كان القسم الأكبر منهم من القرى اللبنانية الحالية، لا سيما من شمال لبنان والبقاع وجبل لبنان، نجا منهم 23 لبنانياً فقط.
تشير شهادات موثقة إلى أنّ بلدة حردين البترونية وحدها فقدت عدداً كبيراً من أبنائها الذين كانوا يحلمون بالوصول إلى الولايات المتحدة.
كانت دوافع هؤلاء المهاجرين مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عاشها جبل لبنان أواخر العهد العثماني.
فالأزمات الزراعية وتراجع صناعة الحرير وارتفاع الضرائب دفعت آلاف العائلات اللبنانية إلى الهجرة نحو الأميركيتين.
وشكّلت المرافئ اللبنانية، خصوصاً مرفأ بيروت، نقطة الانطلاق الأساسية لهذه الهجرات الجماعية التي غيّرت البنية الاجتماعية اللبنانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
من بين الأسماء اللبنانية التي وثّقتها سجلات التايتنك، برز اسم الشاب اللبناني سعادة حنا نصر رزق، ابن بلدة صرعل الجنوبية، الذي كان في العشرين من عمره حين صعد إلى السفينة من ميناء شيربورغ الفرنسي أملاً بالوصول إلى أميركا.
لكنه اختفى في أعماق الأطلسي، ولم يُعثر على جثمانه قط.
تشير الوثائق إلى أنّ عائلته استفادت لاحقاً من صندوق تعويضات ضحايا التايتنك.
كذلك حملت السفينة على متنها منصور حنا الحاج من بلدة كفرمشكي اللبنانية، وكان قد هاجر سابقاً إلى كندا وعاد إلى لبنان لزيارة عائلته قبل أن يقرر العودة مجدداً إلى أميركا الشمالية عبر التايتنك.
إلا أنّ الرحلة تحولت إلى نهايته الأخيرة في المحيط المتجمد.
في مقابل هذه النهايات المأساوية، نجا بعض اللبنانيين، ومن بينهم الطفل أسعد طنوس من بلدة حردين، الذي كان يبلغ خمسة أشهر فقط حين انتشلته والدته من بين الفوضى والرعب إلى أحد قوارب النجاة.
وقد بقي اسمه لاحقاً شاهداً حيّاً على نجاة نادرة وسط تلك الليلة السوداء.
تكشف الوثائق والشهادات أنّ غالبية اللبنانيين كانوا من ركاب الدرجة الثالثة، وهي الفئة الأكثر فقراً والأقل حظاً في النجاة.
فقد كانت مقصورات الدرجة الثالثة تقع في الأجزاء السفلى من السفينة، ما جعل الوصول إلى قوارب النجاة أكثر صعوبة، خصوصاً مع الفوضى والبرد القارس والحواجز التنظيمية التي فصلت الطبقات الاجتماعية داخل السفينة.
وتشير الدراسات الإحصائية الخاصة بالتايتنك إلى أنّ نسبة النجاة في الدرجة الثالثة كانت الأدنى مقارنةً بالدرجتين الأولى والثانية.
شكّلت الكارثة صدمة كبرى في القرى اللبنانية التي فقدت أبناءها دفعة واحدة.
ففي حردين وكفرمشكي وزغرتا وبلدات أخرى، تحولت أسماء الضحايا إلى جزء من الذاكرة الجماعية المحلية، وتناقلت العائلات قصصهم جيلاً بعد جيل.
في بعض القرى، بقيت صور الضحايا محفوظة في الكنائس والبيوت حتى اليوم، بوصفها رمزاً للهجرة اللبنانية الكبرى وثمنها الإنساني الباهظ.
أما على المستوى العالمي، فقد أدى غرق التايتنك إلى تغييرات جذرية في قوانين الملاحة البحرية الدولية.
فبعد الكارثة، أُقرت قواعد جديدة تلزم السفن بتوفير قوارب نجاة تكفي لجميع الركاب، وتعزيز أنظمة الاتصالات اللاسلكية والمراقبة الجليدية في شمال الأطلسي.
رغم مرور أكثر من قرن على غرق السفينة، لا تزال قصة اللبنانيين على متن التايتنك تحمل بعداً إنسانياً عميقاً.
فهؤلاء مهاجرون حملوا معهم لغة القرى اللبنانية ولهجاتها وصلبانها وأحلامها الصغيرة نحو المجهول.
كانوا يهربون من الفقر والاضطراب السياسي بحثاً عن حياة جديدة، قبل أن يبتلعهم البحر في واحدة من أكثر ليالي التاريخ قسوة.
غرقت التايتنك في أعماق الأطلسي، لكن قصص ركابها اللبنانيين بقيت طافية في ذاكرة الهجرة اللبنانية الكبرى؛ تختلط فيها المأساة بالأمل، والبحر بالفقدان، والهجرة بالحلم الذي لم يكتمل.
الاثنين (25/5/2026)