خريطة أوروبية جديدة
كانت فيينا تضجّ بالرقص والولائم، فيما كانت خلف الأبواب المغلقة تُصاغ أخطر قرارات أوروبا بعد سقوط نابليون ونفيه إلى إلبا.
اجتمع ملوك القارة ووزراؤهم لإعادة تثبيت النظام الملكي ومنع تكرار الهيمنة الفرنسية، لكن الهدف الحقيقي كان اقتسام النفوذ.
تصادمت طموحات روسيا في بولندا مع أطماع بروسيا في ساكسونيا، ما أثار مخاوف النمسا وبريطانيا من ولادة قوة مهيمنة جديدة، وسط إدارة المستشار النمساوي مترنيخ الساعي إلى خنق أفكار الحرية والديمقراطية وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
في قلب هذا الصراع، برز دهاء وزير خارجية فرنسا المهزومة شارل تاليران، الذي استغل خلافات المنتصرين ليحوّل بلاده من دولة منبوذة إلى شريك في القرار.
تمسّك بمبدأ “الشرعية” ليؤكد أن فرنسا ليست نابليون، ولوّح بدعم النمسا وبريطانيا عسكرياً في مواجهة روسيا وبروسيا، ما فكك التحالف الرباعي وثبّت مكانة فرنسا الدولية.
حتى عودة نابليون المفاجئة خلال “الأيام المائة” وهزيمته في واترلو لم تُلغِ هذا المكسب، إذ كانت فرنسا قد استعادت موقعها مسبقاً على طاولة الكبار.
أفرز المؤتمر خريطة أوروبية جديدة حاصرت فرنسا بدول عازلة، وقسّمت بولندا مجدداً، وأهملت الطموحات القومية للألمان والإيطاليين، وأعادت السلالات الملكية إلى عروشها.
وقد وفّر هذا النظام سلاماً نسبياً امتد قرابة قرن، لكنه قام على كبت الشعوب وتجاهل قوى التغيير، فبقي سلاماً هشاً أثبت أن إعادة رسم الخرائط ممكنة، أما إعادة الوعي إلى ما قبل الثورة فكانت مستحيلة.
الجمعة (19/12/2025)
بقلم أنطوان فضّول