المسمار الذهبي

في ذروة الحرب الأهلية الأمريكية، 1862، أقدم الرئيس أبراهام لينكولن على توقيع «قانون السكك الحديدية للمحيط الهادئ»، في خطوة بدت ضرباً من المغامرة الجنونية وسط انقسام البلاد.
يهدف القانون إلى إنشاء خط حديدي عملاق يصل الشرق «المتحضّر» بالغرب «المتوحش»، ممتداً لمسافة تقارب ثلاثة آلاف كيلومتر عبر صحارى مقفرة وسلاسل جبلية شاهقة لم تعرف الآلة طريقها إليها من قبل.
قُسّم المشروع بين شركتين عملاقتين دخلتا سباقاً محموماً على المال والأرض:
شركة «يونيون باسيفيك» التي انطلقت من الشرق، من مدينة أوماها، باتجاه الغرب، وشركة «سنترال باسيفيك» التي بدأت من الغرب، من ساكرامنتو، متجهة نحو الشرق، على أمل الالتقاء في منتصف الطريق.
شقّت «يونيون باسيفيك» طريقها عبر السهول العظمى، معتمدة على المهاجرين الأيرلنديين، «الباديز»، الذين فرّوا من المجاعة في وطنهم ومن الحرب الأهلية، ليجدوا أنفسهم في مواجهة حرب جديدة ضد الطبيعة القاسية والسكان الأصليين.
كانت ظروف عيشهم بالغة القسوة والوحشية؛ يعملون تحت شمس السهول اللاهبة، ويقضون لياليهم في مخيمات متنقلة عُرفت "بالجحيم على عجلات".
وكانوا في تماس مباشر مع قبائل «السيوس» و«الشايان» التي رأت في «الحصان الحديدي» انتهاكاً لأراضيها.
في المقابل، اصطدمت «سنترال باسيفيك» في كاليفورنيا بعقبة جغرافية تمثلت في جبال «سييرا نيفادا» الجرانيتية الصلبة.
ومع نقص حاد في الأيدي العاملة، إذ فضّل العمال البيض التنقيب عن الذهب على تحطيم الصخور، طرح مدير الشركة تشارلز كروكر فكرة الاستعانة بالمهاجرين الصينيين، مردداً عبارته الشهيرة:
«لقد بنوا سور الصين العظيم، بإمكانهم بناء سكة حديد».
سرعان ما توافد الآلاف من مقاطعة «غوانغدونغ» الصينية، ليشكّلوا نحو 90 في المئة من القوة العاملة، أي ما يقارب 12 ألف عامل.
بعد ست سنوات من الحفر والتفجير والعمل المضني، التقى الخطان أخيراً في العاشر من أيار عام 1869 عند «برومونتوري ساميت» في ولاية يوتا.
هناك، دُقّ «المسمار الذهبي» الأخير وسط احتفالات صاخبة، وأُرسلت برقية من كلمة واحدة عبر التلغراف هزّت أرجاء البلاد:
«DONE» (أُنجزت).
بفضل هذا الإنجاز، تقلّصت رحلة السفر بين الشرق والغرب من ستة أشهر محفوفة بالمخاطر إلى أسبوع واحد فقط، ما أسهم في توحيد الاقتصاد الأمريكي ومهّد لظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى.
غير أنّ هذه اللحظة المشرقة شابها جحود مؤلم تجسّد في الصورة التذكارية الشهيرة للاحتفال، حيث ظهر المهندسون والمديرون والسياسيون يتبادلون المصافحات، فيما غاب عن المشهد، آلاف العمال الصينيين والأيرلنديين الذين دفعوا ثمن هذا الإنجاز من عرقهم ودمائهم.
والأسوأ أن الولايات المتحدة، وبعد سنوات قليلة فقط من هذا المشروع الذي كان للصينيين دور أساسي في إنجازه، أقرّت «قانون استبعاد الصينيين» عام 1882، لتغلق أبوابها في وجه الشعب ذاته الذي ساهم في فتح أبواب الغرب أمامها.
السبت (20/12/2025) بقلم أنطوان فضّول