حريق البيت الأبيض

قبل اندفاع الجيوش الأميركية جنوباً لانتزاع كاليفورنيا ونيو مكسيكو في أربعينيات القرن التاسع عشر، اتجهت واشنطن نحو الشمال، في 1812، بنية ضم كندا، مدفوعة بخلافات مع بريطانيا الداعمة للسكان الأصليين. الا أن تلك الحرب تجربة أميركية فاشلة.
في مطلع القرن التاسع عشر، نظرت الولايات المتحدة، الدولة الفتية، إلى كندا كمستعمرة بريطانية ضعيفة وأرض سائبة. ساد في واشنطن اعتقاد بأن غزوها «نزهة عسكرية»، مع غرق بريطانيا في حربها مع نابليون.
في 18 حزيران 1812 أعلن الرئيس جيمس ماديسون الحرب، فعبرت القوات الأميركية الحدود وهي تتوقع ترحيباً شعبياً، لكنها واجهت تحالفاً صلباً جمع الجنرال البريطاني إسحاق بروك بزعيم قبائل الشاوني تيكومسيه، الذي قاتل دفاعاً عن أرض أجداده.
بدلاً من انهيار كندا، اضطر الجيش الأميركي في ديترويت إلى الاستسلام في 16 آب 1812 بعد خدعة ذكية ضخّمت حجم القوات المتحالفة، في واحدة من أكثر الهزائم إذلالاً من دون معركة فعلية. فتحولت الحرب إلى نزاع دموي استمر ثلاث سنوات.
في نيسان 1813 عبر الأميركيون بحيرة أونتاريو، واحتلوا مدينة يورك (تورونتو حالياً)، فنهبوها وأحرقوا مبنى البرلمان الخشبي، في فعل ترك أثراً عميقاً لدى البريطانيين والكنديين. جاء الرد في صيف 1814، بعدما تفرغت بريطانيا للجبهة الأميركية عقب هزيمة نابليون.
دخل أسطول بريطاني مخضرم خليج تشيسابيك، وزحفت قواته عبر ماريلاند نحو واشنطن، التي كانت دفاعاتها ضعيفة. عند جسر بلادنسبرغ، حاولت ميليشيات أميركية غير مدربة الصمود بحضور ماديسون نفسه، لكن الفارق كان حاسماً.صواريخ كونغريف البريطانية نشرت الذعر في صفوف الأميركيين، فتحول الاشتباك إلى هزيمة عُرفت ساخراً بـ«سباق بلادنسبرغ».
بانهيار الدفاعات، فُتح الطريق إلى العاصمة. وفي 24 آب 1814 دخلت القوات البريطانية واشنطن شبه الخالية. جلس الضباط في البيت الأبيض، تناولوا العشاء المعد للرئيس الفار، ورفعوا نخب الملك، ثم أحرقوا البيت الأبيض ومبنى الكابيتول، انتقاماً لحرق يورك. وفي اليوم التالي، عاصفة مفاجئة أطفأت النيران.
انتهت الحرب باتفاقية غنت في 24 كانون الأول 1814، التي أعادت الحدود إلى ما كانت عليه من دون مكاسب إقليمية. ظاهرياً بدا النزاع تعادلاً، وقد شكّل هوية الطرفين: في الوعي الأميركي اعتبرت الحرب «حرب الاستقلال الثانية»، أما في كندا فكانت «شهادة الميلاد»، إذ وحّدت الفرنسيين والإنجليز والسكان الأصليين في مواجهة الغزو.
هكذا رُسم الخط الفاصل الطويل بين البلدين، وتحولت العلاقة من غزو وحرق عواصم إلى أطول حدود سلمية غير محروسة في العالم، تخفي وراء هدوئها رماد بيوت بيضاء وبرلمانات أُحرقت ذات يوم بفعل الطمع.
الثلاثاء (23/12/2025)