المواطنة والواقع التّعددي

المواطنة والواقع اللبناني التعدّدي
بقلم: د. جورج شكيب سعاده
التعدّد سمة كونيّة وجوديّة .
كانت منذ كان الإنسان ومنذ تشكّل الوجود .
فاللّه في وحدانيته متعدّد الى ما لا نهاية .
متعدّد الصفات والمظاهر والظواهر .
والإنسان صورة اللّه ، متعدد هو الآخر .
يتميّز في الأعماق حتى الاتصال باللّه .
ويمتّد في الأفاق بقدر ما تسمح يده وفكره وخياله ليتّصل بكل موجود في هذا الوجود.
.
.
يبدأ المرء أولاً بثنائيّة التكون روحاً وجسداً .
فهو تراب يمشي وكيانه يحفل بشتى الاحتمالات وشتى التوجهّات، والقدرات.
حتى انه يصعب عليه أن يعرف جملة ما ينطوي عليه .
ألم يقل الفيلسوف اليوناني "أصعب شيء على الانسان أن يعرف نفسه؟ والأنسان بين العقل والقلب وجملة المشاعر، يتعدد فما يقوله العقل والمنطق قد لا يقوله القلب والنفس وجملة المشاعر Le Coeur a des raisons que la raison ne connait pas كما نعلم انه بين الوعي واللاوعي مسافات قد تقصر وقد تطول.
والطبيعة الخارجية متعددة الى أقصى الحدود.
وهي تبنى من هذا التعدّد.
عناصرها الأربعة : النار والهواء والماء والتراب، تتآلف فتشكل الحياة، وتختلف فيترتّب عن اختلافها الأذى حتى الموت.
فإذا أتّمت وظائفها كما أعدّ لها ، أزهر الوجود وأثمر وأنتج الخير والبركة.
واذا تضاربت وظائفها وقع الخلل والخراب .
النور يكشف الطريق والنار لقطع الطريق ، الهواء ينعش والعاصقة تدمرـ الماء يروي ويحيي، الطوفان يغرق ويميت ـ التراب مستنقر الانسان والزلزال يرميه في قعر.
وبعد، فهل التعدّد نعمه أم نقمة ؟ أم الإثنتان معاً بالتناوب وتبعاً لثقافة المواطن والانسان عموماً ، وما شأن الوطن في حضرة هذا التراكم الوجودي التعددي؟ وبالأحرى ما شأن لبنان، هذا البلد التعددي منذ كان وقبل أن يعرفه تاريخنا المكتوب والمتناقل الموروث .
لقد عرف لبنان، ساحلاً وجبلاًـ شعوباً كثيرة ، منها من سكن واستقّر ومنها من نزل ثمّ عبر.
منذ فينيقيا عرفت هذه المنطقة تراكما شعبيّاً، جماعات سكنت ثم انطلقت من هذه الديار .
وتوالت الشعوب من بيزنطية الى عربية إسلاميّة ثمّ صليبية الى عثمانية وأوروبية.
وعلى الصعيد الداخلي الديني، عرفت الوثتية ثم المسيجية بعد أن تنصرنت الدولة البيزنطية 381 م.
واعتنق معظم سكان السواحل هذا الدين وكذلك أنباط الجبل ثم الاسلام مع الفتح العربي : سنة وشيعة ودروزاً.
فانتقل هذا الوطن من حالة الى حالة ،ثمّ تواصل ساحله مع الجبل فنشأ الكيان القائم اليوم .
وإذا أحصينا سكانه ، نجد الاصول المنتمية الى فجر التاريخ،والقائمة في العصور الوسطى وفي الزمن الحديث.
تجتمع وتتعاون حيتاً فتنتج الخير والبركة وترفع اسم الوطن عالياًـ وتفترق حيتاً آخر فتتقاتل وتغرق الأرض بالدماء والدمار.
لقد بدأ لبنان يتجّه الى وفاق في التّعدد.
مع العهد المعني الذي استّمر من مطلع القرن السادس عشر حتى نهاية القرن السابع عشلر.
وكان فخر الدين المعني الثاني.
وكان فخر الدين المعني الثاني 1585-1635.
هو الذي أسس النواة الوطنية التعددية.
فجمع الدروز والمسيحيين ولا سيّما الموارنة والسنة والشيعة.
فربط الجبل الجنوبي بالجبل الشمالي على قاعدة المحبة والتعاون .
وهذا ما سمح لفخر الدين أن يمدّد حدود إمارته من أطراف نركيا إلى حدود مصر.
.
فازدهر الاقتصاد.
تجارة، وصناعة حرفية وزراعة.
واستتب الأمن على تعاون ووفاق.
ويعودالفضل في ذلك الى عدالة الأمير ومساواته بين الجميع فحقق ما كان النواة الاولى لما عرفناه لاحقاً في الكيان اللبناني.
وبعد المعنيين بدأت تتراجع الأمور ما أدى الى الفتن وما أوصل الى القائمقاميين ثم المتصرفية التي شكلت هي الاخرى واقغا وطنيا جديداً تطوّر مع اعلان الاستقلال في مطلع القرن العشرين.
واستمرت التعددية بين اتصال وافتراق منذ فخر الدين حتى يومنا هذا فتميزت بوجوه متعددة ، سياسية وثقافية ودينية.
ففي الوجه السياسي ساهمت الفئات والطوائف في إنشاء وطن ديموقراطي تتقاسمه الطوائف والأحزاب، بل المراجع الديتية والحزبية والطائقية.
وكان في تداخلها اتفاق راسخ حيناّ يدفع باتجاه المواطنة السليمة، وهش حيناّ آخر يرفع من حدّة التوتر( 1985،1961-1969- ، 1975 ) ، ويؤدي الى خلافات تهدّد الوطن.
وها نحن اليوم نقف عند مفترق في غاية الخطورة.
يطرح سؤالاً كبيراً هل سيبقى لبنان عللى كيانه المعروف ، أم تودي به المنازع والنزاعات إلى واقع سيء محتمل، وفي هذا تكون التعددبة في أبشع الصور وأخطرها على المواطن والوطن .
ولكن، ومهما يكن من أمر الاختلاف ، فإنّ الأصالة اللبنانية ما تزال تفعل فعلها.
فأي لبناني يستطيع أن يتنقّل بارتياح قي جميع المناطق والقرى من أقصى الجنوب الى اقصى الشمال ومن بيروت الى البقاع .
ومن منّا على اي مستوى كان ، يخلو من أصدقاء ومقربين ينتسبون إلى الفئات والطوائف الاخرى .
أمّا في التعددية الثقافية فيمكن القول إنّ اللبنانيين أنجزةا ما لم تستطع أي دولة شقيقة أن تنجزه.
فبعد أن كان الوطن مجموعة مدارس بل كتاتيب محدودة الثقافة ينتسب كلّ منها الى طائفة السنيّة في صيدا وبيروت وطلرابلس والشيعية في جبل عامل وجزين وبعلبك والمسيحية المارونة في كسروان حتى الشمال ثم تطورت هذه المواقع لتتحول الى مدارس حديثة .
وظهرت أنذاك إنجازات المدرسة المارونية التي تأسست في روما 1584 فخرجت أفواجاً من المتخصصين في الشؤون اللاهوتية والفلسفية والعلمية عموماً ولم يقتصر تأثيرها على المجتمع المسيحي بل تجاوزه الى مناطق وفئات أخرى.
وكان للثقافة اللبنانية التعددية دور في اكثر من بلد عربي، فاستقبل لبنان مفكرين من سوريا وبعض البلدان العربية الأخرى وامتّد نفوذهم الثقافي الى مصر فساهم أبناؤه في نهضتها.
لقد أصبح لبنان في تعدديته ملاذاً للهاربين من الدول ذات الأنظمة العسكرية أو الديكتاتورية.
يلجأون اليه فينتجون فيه،أو يستقون من الثقافات العديدة المنتشرة بين ابنائه على اختلاف انتماءاتهم ومناطقهم.
إن لبنان ـ في قديمه وحديثه، كان منارة الشرق والغرب ِومحط أنظار الجميع، وهو في تعدده خلاصة لمجتمع ممي ـفإذا أحسنا العمل فيه وله يصبح مرآة خير ووجه الله المشرق.
وهنا ندخل الى مسألة الدين والطائفية.
أذا كان الدين، بطبيعته يفرّق بين الناس فالأزمة أذا هي في الدين.
واذا كان الدين سليماً وهو كذلك وتنافرت الفئات فالمشكلة إذاً في الأتباع وفي الممارسة وفي الفهم الكيفي للدين وليس في الدين نفسه.
فإن رفض الآخر هو رفض الله.
أو جعله متعدداً يعني ليس الخالق واحداً بل هناك خالق لهذا الدين وخالق لدين آحر وهذا هو الكفر بعينه.
وقد جاءت آيات كثيرة في العهد القديم والانجيل المقدس والقرآن الكريم، وفي معظمها تدعو الى المحبة والرحمة والتسامح والعدل، والحرية لكل الاجناس والتعايش الكريم،والفصل بين الواجبات الدينية والمدنية دون اغفال واحد منها.
يقول السيد المسيح: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله .
ففي هذا دعوة لدولة مدنية ، ويقول من ضربك على خدك الأيمن در له الأيسر احبوا اعداءكم وباركوا لاعينكم.
ويقول ليس كل ما يقول يا رب يدخل ملكوت السماوات ، انما من يعمل ارادة ابي الذي في السماء.
ويقول ايضاً : اجسادكم هيالك الروح القدس .
ما يفرض التقوى والابتعاد عن الشر والخطيئة.
الى قوله للرسل: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي ومثاله مع السامرية خير دليل على ان المعيار ليس الدين بل السلوك والاخلاق .
وجاء في القرآن الكريم، ما يدل على الوحدة الانسانية: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة (هود 118).
ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم.
.
.
ان في ذلك لآيات للعالمين وقوله : يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا انّ اكرمكم عند الله اتقاكم (الحجرات 13).
وان الله يأمر بالعدل والاحسان (النحل 90).
وكذلك قوله :"يا ايها الدين أمنوا اوفوا بالعقود (المائدة 1) وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان (سورة المائدة 2).
والى التعلق بالوطن والأرض (النساء 66) لان فراق الوطن كفراق النفس .
ويدعو في سورة الممتحنة (8) الى احترام الآخرين ونبذ الاقصاء ما يشير الى العدل والبر مع جميع مكونات المجتمع.
فالتنوع والتعايش سنّة الوجود البشريّ غايتها التعارف والتلازم لا التنازع والفتن .
وبعد.
فإن الدين في جوهره لا يشرذم الناس او يبث الخلافات بل يجب أن يكون كذلك .
والوطن أولويّة، الوطن في كيانه المحدد .
فيجب ان نكرّس أنفسنا أجسادا وارواحا لخدمة الانسان وخدمة الوطن.
واذا كان جبران يقول بيتك هو جسدك الأكبر.
فأنا أضيف : الوطن هو بيتك الاكبر.
.
.
فهل يعقل ان يهدم الانسان بيته.
الوطن صرح كبيرـ ونحن حجارته.
.
.
وحجارة البناء لا تتماسك الا بالطين الجيّد الذي يثبت الحجارة على تنوعها ويصون الصرح.
الطين يا سادة هو المحبة.
يقول بولس الرسول : فإذا كان عندكم كل شيء وليس عندكم المحبة ، فأنتم لا تملكون شيئاً.
ولكي يثبت الوطن المتعدد التكوين، ويستمر مزدهراً يجب أن توفّر له مقومات ضرورية لبقائه.
من هذه المقومات ما يجب أن يكون في المتناول القريب منها : سيادة الدولة والتعاون والمساواة بين المواطنين، وتوفير الأمن واحترام الانسان، والتركيز على الوطن قبل الالتفات الى اي قوة خارجية.
فالصحراءعلى سخائها رملية، والبحر على غناه مالح.
فلنتحصّن في داخل البلاد ـلنكسبها مناعة،وبعدئذ نمّد بدنا الى الشرق والغرب بقدر الحاجة الوطنية.
ونحن كفئات متعددة متنوعة،تتباين في جذورها وانتماءاتها.
نبقى بحاجة ملحّة الى تقصير المسافات بين القلب واللسان عند فئةـ وتسليط الفكر على اللسان والانضباط عند فئة ثانية.
والتحليّ بالصراحة دون المغالاة في التقيّة، وتناول المفيد من التقديمات العالمية لمجاراة الحياة المتطورة.
أما ما يجب العمل له، على النطاق البعيد نسبيا فهو اصلاح الخلل التربوي.
فنحن في أزمة تربوية تكاد تهزّ الكيان ، ولسنا فيها على خلاف في تعليم الرياضيات والعلوم بل في الانسانيات والتربية الوطنية والقيميّة.
والمناهج التي وضعت، وكان لي عليها ملاحظات.
فهي تضع اسساً لا يمكن تطبيقها في بلادنا،بل لا تشير الى الضروري المطلوب.
أن ما يسجل عللى الاوراق هو تجميل للوجه دون اصلاح القلب والفكر.
فبعض المدارس توجه الاطفال نحو الحقد والضغينة وتجعل منهم قنبلة موقوتة حتى اذا ما شبّ الولد ينهض للخصام والمواجهة .
وهذاالأمر يفرض على وزارة التربية انشاء لجان لا يقتصر عملها على المطبوع من الكتب،بل على التطبيق في الصفوف.
ومنع بعض المدارس من التحريض، باسم الدين.
ولأننا لا نستطيع ، بل لا نريد الغاء التعليم الديني،يمكننا أن نستغل القيم المشتركة من انجيل وقرآن ونعمّمها على المدارس ونلزم الاساتذة والإدارات تطبيقها بأمانة ودقّة.
إن الوطن على مفترق طرق يجب العمل على انقاذه واعادته الى الطريق السوي في الدين والدنيا.
في 14\1\2026