الطب الكاذب
في قلب القصور الأوروبية، حيث الثريات تتدلّى كنجومٍ، وتفوح روائح العطور فوق حرير الأسرّة الملكية، كان الموت يتخفّى في هيئة علمية وعباءة سوداء، محاطاً بهالة من المصطلحات اللاتينية والنظريات الراسخة.
كان اسمه: الطبيب الملكي.
في تلك العصور، لم يكن المرض هو الخطر الأكبر، بل العلاج ذاته.
فالفقير، حين يمرض، يُترك لرحمة الطبيعة، يستلقي في زاوية بيته، فإن شُفي حمد الله، وإن مات، مات بسلام.
أمّا الملك، فكان إذا اعتلّ، أُعلنت حالة استنفار، وتحوّل جسده إلى ساحة معركة يتبارى فوقها الأطباء، كلٌّ يريد أن يثبت علمه.
في شتاء العام 1685، استيقظ الملك الإنجليزي تشارلز الثاني على دوارٍ خفيف.
تعثّر للحظة وعيه وسقط أرضاً في نوبة قصيرة بسبب التعب لكن صرخة أحد الخدم بدّدت أي فرصة للنجاة.
خلال دقائق، امتلأت الغرفة الملكية بأربعة عشر طبيباً، وجوههم جامدة، وأيديهم متحفزة، يحملون كتباً ونظريات أكثر مما يحملون رحمة.
قرر الأطباء أن دم الملك فاسد. شُقّ وريده وسُحب الدم بلا تردد، نصف لترٍ تلو الآخر، حتى شحب وجهه. وحين فتح عينيه مذعوراً، أُجبر على شرب مقيئات سامة، ثم خضع لسلسلة من الحقن الشرجية القاسية.
لم يكتفوا بذلك. حلقوا شعر رأسه، ووضعوا مواد كاوية على فروة رأسه العارية لتقرّح الجلد، مؤمنين بأن السموم ستفرّ هاربة من الدماغ. وحين بدأ يفقد وعيه من الإرهاق والنزيف، لم يروا في ذلك علامة خطر، بل دليلاً على “مقاومة المرض”، فانتقلوا إلى كي قدميه العاريتين بالنار ليبقى الجسد الملكي مستيقظاً.
وعندما خذلتهم كل وصفاتهم، لجأوا إلى ما وراء الطب. سكبوا في حلقه “روح جمجمة بشرية”، مسحوق عظام رجل مشنوق، ممزوجاً بحجر غريب استُخرج من معدة ماعز.
أربعة أيامٍ من النزيف، والجفاف، والحروق، والحرمان من النوم. جسدٌ ملكي أنهكته العلاجات أكثر مما أنهكه المرض.
في صباح الجمعة، أدرك تشارلز الثاني أن الرحلة شارفت على نهايتها. نظر إلى أطبائه الواقفين حول سريره، أولئك الذين جاؤوا لإنقاذه فصاروا جلّاديه، وابتسم ابتسامة ساخرة. وهمس بصوتٍ واهن، ووديع في آن:
«أعتذر منكم أيها السادة… لأنني استغرقت وقتاً طويلاً جداً في الموت».
مات الملك.
لم تقتله الجلطة الخفيفة، بل فشل كلوي حاد، ونزيف، وجفاف، صنَعته أيدي “العلماء”. نجا من حرب أهلية، ومن منفى، ومن الطاعون، ومن حريق لندن العظيم، لكنه لم ينجُ من رعاية أفضل أطباء عصره.
مع ذلك، لم تكن تلك الغرف الملطخة بالدماء نهاية القصة. كانت بداية المخاض. فمن رحم هذا العجز، ومن صدمة هذا الفشل، بدأ العقل الأوروبي يثور. سقطت خرافات الأخلاط الأربعة، وظهر المجهر، وانكشفت الميكروبات، وتحوّل الطب من طقوسٍ قاسية إلى علمٍ دقيق.
غسل لويس باستير يد الطب من الجهل، وأضاء جوزيف ليستر طريق التعقيم، وحوّل ألكسندر فليمنغ العفن إلى خلاص اسمه البنسلين.
هكذا، تحوّلت المستشفيات من بوابات موت إلى قلاع حياة. لم يعد المشرط أداة تعذيب، بل وسيلة شفاء. وبفضل الدرس القاسي الذي دُفع ثمنه دماً وملوكاً، صار أحفاد ذلك الملك الذي مات تحت وطأة العلاج، يعيشون اليوم عمراً أطول، شاهدين على أن أعظم انتصارات الإنسان لم تكن في الحروب، بل في انتصار العقل العلمي على الجهل.
الأحد (28/12/2025)