الذهب

قبل أن تعرف البشرية معنى المال، برزت من قاع الأنهار حصاة صفراء لفتت نظر الصياد البدائي.
قطعة كأنها شظية سقطت من قرص الشمس لتستقر في قاع الماء، عصية على الصدأ الذي يأكل الحديد.
امتلك هذا المعدن صفة سحرية أسرت الوجدان البشري: "الخلود". فتحول إلى المعيار الذي تُقاس به أقدار الأمم.
نظر المصريون القدماء إلى هذا المعدن بعين الرهبة والتقديس، معتبرين إياه "جسد الآلهة" الذي لا يبلى.
صاغوا منه أقنعة فراعنتهم وتوابيتهم، سعياً لشراء الخلود في العالم الآخر.
ظل الذهب حكراً على الملوك والكهنة، ورمزاً للسلطة الإلهية المطلقة، بعيداً عن أيدي العامة.
في القرن السادس قبل الميلاد، قرر الملك "كروسيوس"، ملك "ليديا" إنهاء عصر المقايضة وعمد، الى صهر الذهب والفضة وختمهما بشعار الأسد الملكي لضمان الوزن والنقاء.
ولدت "العملة" في تلك اللحظة، وتحول الذهب من مادة للعبادة إلى أداة للتجارة، مانحاً التاجر القدرة على حمل ثروته في جيبه وصار من يملك الذهب، يملك الجيوش والولاء.
مع اكتشاف الأمريكتين، تحول الانبهار بالمعدن الأصفر إلى هوس اجتاح عقول الغزاة الإسبان، مدفوعين بأسطورة "إلدورادو" المدينة الذهبية المفقودة.
حين وصلوا إلى إمبراطوريات الأزتيك والإنكا، وجدوا الذهب يكسو الجدران والمعابد، لكنهم قابلوه بنظرة مغايرة تماماً لنظرة السكان الأصليين الذين رأوه زينة مقدسة.
صهر الغزاة آلاف القطع الفنية وحولوها إلى سبائك صماء. وتدفق الذهب الى الامبراطوريات والممالك المستعمرة.
مع الزمن، غرقت أوروبا في تضخم هائل، بسبب تكديس الذهب دون إنتاج حقيقي، ما تسبب بهدم الاقتصاد بدلاً من تدعيمه.
في القرن التاسع عشر، قررت بريطانيا، سيدة التجارة العالمية، أن تضع حداً لفوضى العملات، مرسخةً ما عُرف بـ "قاعدة الذهب". حيث أوقفت رسمياً في 1816-1821 سك العملات الفضية كمعيار أساسي، وربطت الجنيه الإسترليني بكمية ثابتة من الذهب، مما منح حامل النقود حَقّ استبدالها بوزن محدد من الذهب القابع في الخزائن.
مع هيمنة بريطانيا التجارية، تبنت دول أخرى (مثل الولايات المتحدة وألمانيا) النظام نفسه بحلول 1870، ليصبح الذهب معياراً دولياً غير رسمي، ويمنح العالم استقراراً غير مسبوق.
عاشت التجارة الدولية عصرها الذهبي، حيث كانت العملات الورقية بمثابة ظل للمعدن الأصفر الذي يحكم من خلف الستار، داخل جدران البنوك المركزية السميكة.
في العام 1971، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون "إغلاق نافذة الذهب"، مفككاً الارتباط بين الدولار والمعدن النفيس.
أصبحت العملات تستمد قيمتها من "الثقة" في الحكومات واستقرار الدول.
ظن البعض أن بريق الذهب قد خبا، إلا أن المعدن الأصفر عاد ليفرض نفسه بقوة كـ "ملاذ آمن".
كلما اهتزت البورصات أو اندلعت الحروب، تهرع البشرية عائدة إليه، محتمية بصلابته من تقلبات الورق والسياسة.
الأحد (11/1/2026)