الطفل النابوليوني
في قصر "التويلري" بباريس، 1811، دوت طلقات المدافع ابتهاجاً بميلاد الطفل الذي انتظره نابليون طويلاً.
أنجبت الأرشيدوقة النمساوية "ماري لويز" ولي العهد، الذي أطلق عليه أبوه لقب "ملك روما".
ظن نابليون، في قمة نشوته، أن دماء الهابسبورغ العريقة التي تجري الآن في عروق ابنه قد منحت عرشه الثوري الشرعية الأبدية، وأن فيينا أصبحت حليفاً مضموناً بحكم القرابة.
لكن "العريف الكورسيكي"، كما لقبه أعداؤه، فاته درسٌ تاريخيٌ قاسٍ: "إن ولاء الهابسبورغ هو للتاج فقط، لا للدم، ولا للأصهار".
ففي فيينا، كان الإمبراطور "فرانس" (جد الطفل) ومستشاره الداهية "مترنيخ" يراقبون المشهد ببرود أعصاب، ينتظرون اللحظة المناسبة لطعن "صهرهم" في ظهره.
وجاءت تلك اللحظة 1812، حين تعثر نابليون في ثلوج روسيا وعاد بجيش محطم.
لم ترسل النمسا العون لزوج ابنتهم، بل انقلبت عليه وانضمت للتحالف الذي سحقه في معركة "لايبزيغ".
بعد خسارة ألمانيا وروسيا، وجد نابليون الأعداء يطرقون أبواب باريس مطلع 1814.
ودع نابليون زوجته وابنه في العاصمة وذهب ليقود جيشه للدفاع عن فرنسا، ولم يكن يعلم أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى فيها وجهيهما للأبد.
كانت جيوش أوروبا المتحالفة (روسيا، بروسيا، النمسا) قد عبرت نهر الراين واجتاحت الأراضي الفرنسية لأول مرة، ووجد نابليون نفسه يواجه موقفاً مستحيلاً.
فجيشه كان صغيراً جداً، منهكاً، ومكوناً من مجندين صغار السن يفتقرون للخبرة.
رغم اليأس، قدم نابليون في هذه الحملة أعظم أداء عسكري تكتيكي في حياته، حيث خاض سلسلة من المعارك الخاطفة والعبقرية وكان يتحرك بسرعة البرق ليهزم جيوشاً تفوقه عدداً بخمسة أضعاف.
لكن الكثرة غلبت الشجاعة.
فبينما كان نابليون يقاتل في الشرق، زحفت جيوش الحلفاء وتجاوزته لتدخل باريس وتجبره على الاستسلام، لتبدأ بعدها رحلة نفيه الأولى إلى جزيرة "إلبا".
حين نُفي نابليون وانهار مشروعه، استعادت فيينا ابنتها "ماري لويز".
عادت الإمبراطورة السابقة إلى بيت أبيها، وتركت زوجها يواجه مصيره وحيداً، بل وسرعان ما نسيته وارتبطت بعلاقات عاطفية أخرى.
أما الطفل الصغير، "نابليون الثاني"، فقد أصبح "المشكلة" الأكبر التي يجب حلها.
في ربيع 1815، تجمد الدم في عروق ملوك أوروبا من جديد.
فقد عاد "شبح" نابليون من منفاه في جزيرة إلبا إلى باريس محمولاً على أكتاف جنوده، لتبدأ فترة "المائة يوم".
تحركت جيوش أوروبا كالكماشة لسحق العائد، وبينما كان الجيش النمساوي الضخم بقيادة "شوارزنبرغ" يزحف ببطء نحو الحدود الفرنسية من الشرق، قرر نابليون أن يقامر بكل شيء في ضربة خاطفة وسريعة في الشمال، في بلجيكا.
في الثامن عشر من يونيو، وعلى سهول "واترلو" الموحلة، دارت "أم المعارك".
ورغم أن الرايات النمساوية لم ترفرف في تلك المعركة المحددة، حيث واجه نابليون الإنجليز بقيادة ويلينغتون والبروسيين بقيادة بلوشر، إلا أن أنفاس الهابسبورغ كانت محبوسة هناك.
فقد كان الإمبراطور فرانس يعلم أن انتصار صهره نابليون يعني نهاية النمسا كقوة عظمى.
استمرت المذبحة يوماً كاملاً، واصطبغت حقول الشوفان بالدم، حتى انكسر "الحرس الإمبراطوري" الفرنسي الذي لا يُقهر، وهرب نابليون تاركاً حلمه مدفوناً في الطين.
وصلت أخبار "واترلو" إلى فيينا، فتنفس الإمبراطور فرانس الصعداء.
بعد واترلو، لم يعد نابليون إمبراطوراً، بل أصبح سجيناً يُشحن إلى صخرة "سانت هيلينا" في منتصف المحيط ليموت وحيداً.
هنا، اتخذ الهابسبورغ قرارهم البارد بـ "محي ذكرى الأب من ذاكرة الابن".
الطفل الصغير "نابليون الثاني"، الذي تنازل له والده عن العرش قبل أيام، أصبح سجيناً في قفص ذهبي بفيينا.
جُرد من اسمه الفرنسي ليصبح "فرانز دوق رايخشتادت"، ومُنع من التحدث بالفرنسية، وأُجبر على ارتداء الزي العسكري النمساوي، ليموت الفرنسيّ بداخله قبل أن يموت جسده لاحقاً.
بعد القضاء على نابليون، استضافت فيينا عام 1815 "المؤتمر" الشهير الذي أعاد رسم خريطة القارة.
رقص الملوك والأمراء الفالس في قاعات الهابسبورغ، معلنين عودة "النظام القديم".
بدت النمسا في ظاهرها قوية ومنتصرة، "شرطي أوروبا" الذي يقمع الثورات، لكنها في الباطن كانت قد دخلت مرحلة الشيخوخة التي لا شفاء منها.
الأربعاء (14/1/2026)