كازانوفا
في القرن الثامن عشر، عاش رجل استثنائي لا يشبه أحدًا: جياكومو كازانوفا.
ولد في البندقية 1725. دخل صالونات الأرستقراطيات بلباس فخم ولسان أكثر فخامة. قرأ الفلسفة واللاهوت والعلوم، وتحدث عن الحب كما لو كان علماً مستقلاً.
النساء أحببن حديثه وعشقن ملامحه، وهو يستثمر بذلك.
رأى كازانوفا العلاقات رقعةَ شطرنج. يقترب، يسيطر، ثم يختفي في اللحظة التي تظن فيها ضحيته أنها امتلكته.
مارس الحياة كفنّ.
وفي كل مدينة يزورها، يترك خلفه قصة لا تُنسى، امرأة مذهولة، رجل غاضب، ومسؤول حكومي محرج لا يعرف كيف تم خداعه.
في فيينا، أغوى زوجة دبلوماسي أمام عينيه، ثم ساعده لاحقًا في الحصول على ترقية ليُخفي الفضيحة.
في باريس، دخل البلاط الملكي وهو لا يملك سوى عباءة حريرية مستعارة وعقل حاذق. لكنه خرج بثروة ومكانة كمستشار في مشروع مالي غامض.
لقد أقنع النبلاء بالاستثمار في “مشروع” لم يكن سوى وهمٍ من خياله.
في لندن، كاد يُقتل بعد أن لعب لعبة مزدوجة بين سيدتين من الطبقة العليا، كانتا تتنافسان على قلبه دون أن تعرف كلٌّ منهما بوجود الأخرى.
أحد أكثر فصول حياته جنونًا كان هروبه من سجن “البيومبي” في البندقية. سجن لا يهرب منه أحد. كان محبوسًا بتهم السحر والإلحاد والتآمر، فصنع أداة حادة من سلك نحاسي سرقه من شمعدان، ونقب سقف الزنزانة حجرًا حجرًا. وفي ليلة من العام 1756، هرب من أعلى قصر الدوق نفسه، متنكرًا في زيّ كاهن.
مع الفجر، كان يشرب النبيذ في ساحة القديس مرقس، يضحك وكأن شيئًا لم يحدث.
كل علاقة عنده مغامرة. يكتب الشعر بعد كل لقاء، ويحتفظ بخصلات شعر حبيباته كذكريات “علمية” لتجارب الحب.
الا أنه لم يكن بلا قلب. فقد أحب في شبابه بصدق فتاة تُدعى “شارلوت”، وكانت الوحيدة التي غادرها قبل أن يفسدها.
كتب عنها لاحقًا:
“كانت نقية لدرجة أني خفت أن ألوثها بحقيقتي.
"
في نهاية حياته، عاش في منفاه في قلعة بوهيمية، يكتب مذكراته التي تجاوزت 3000 صفحة، والتي تعتبر من أشهر السير الذاتية في التاريخ الأوروبي، حيث تعكس حياة مليئة بالقصص والمغامرات.
كتب كازانوفا:
“لقد أحببت الحرية أكثر من أي امرأة، وربما كان هذا خطئي الأكبر.
”
الخميس (15/1/2026)