د. فـريــد الـــــخــــــازن (١)
د. فـريــد الـــيــــاس الـــــخــــــازن: الأكاديمي، السياسي، الدبلوماسي (١)
(إعداد: أنطوان فضّول)
الطفولة
الدكتور فريد الياس الخازن مواليد بلدة كفردبيان في أعالي كسروان، في عائلة حملت في نسبها عبق الانتماء الجغرافي والوجداني، وقد رفدت الوطن برجالات رواد وقادة في جميع المراحل والعهود، في الإدارة والسياسة والفكر والثقافة. كذلك في عمق الكنيسة المارونية تركت هذه العائلة بصمتها واحتضنت الرسالة الكنسية وأسهمت في حفظ التراث الماروني وترسيخ القيم المسيحية، ومنها ثلاثة بطاركة وسبعة أساقفة وعدد كبير من المكرسات والمكرّسين.
وُلد فريد الخازن ثمرةً وحيدةً لوالدين جمعتهما الأقدار وفرّقتهما الأيام. رغم الإنفصال العائلي، عاش طفولة استثنائية لكنها دافئة ومستقرة. أمضى طفولته في بيروت، المدينة التي جسّدت في الخمسينيات والستينيات قلب الشرق النابض. عايش روح المدينة في تفاصيلها اليومية، فاختزن في ذاكرته صورة عاصمة تتنفس الحلم، حيث كل زاوية تروي حكاية.
نشأ في أحياء الجمّيزة بالأشرفية، حيث تمتزج الأجراس بضوضاء الشوارع، وتتنفس البيوت عبير الوداعة والكرامة، في بيئةٍ تنبض بالدفء الاجتماعي. في أزقتها تعلّم معنى الجيرة والمودة، وفي ظلال كنائسها وأرصفـتها تشكّلت ملامح انتمائه الأول.
الدراسة
تلقى فريد الخازن دراسته على مقاعد معهد الحكمة، وبين جدرانه تفتّحت مداركه الأولى على المعرفة، فكان للمعهد أثرٌ عميق في تكوينه الفكري. نشأت في أحضان هذا الصرح التربوي العريق صداقات الطفولة التي رافقته مدى العمر.
تتلمذ في معهد الحكمة على يد نخبةٍ من الأساتذة، كان من أبرزهم حسيب عبد الساتر، والخوري بولس مطر، الذي أصبح في ما بعد مطراناً على بيروت. استمرت العلاقة البنويّة بينه وبين الأب مطر على مدى السنوات، وتعمّقت أكثر بعد سيامته الأسقفية، فغدت علاقة قائمة على الاحترام المتبادل.
تأثّر عميقًا بأساتذته الذين تركوا بصماتهم في شخصيّته ومسيرته العلميّة، وكان بينهم لبنانيون وأجانب أغنوا آفاقه الثقافيّة ووسّعوا مداركه الفكرية. وكانت “الحكمة” في تلك الحقبة صرحاً متألّقاً، ترفد البلاد بأجيالٍ مؤمنةٍ بالعلم والحق والخدمة العامة. بين أروقتها تنامت قيمُ الجدّ والانضباط، ومرايا الحرية والفضيلة.
تميّز الخازن منذ مقاعد الدراسة باجتهاده، وقد عُرف بالانضباط الهادئ والفضول المعرفي، جامعًا بين الذكاء الفطري والمثابرة الدؤوبة. إتجه ميله العلمي نحو الرياضيات، إذ وجد فيها لغةَ العقل والمنطق. لكن، رغم اهتمامه بالعلوم، لم يغب عنه الشغف بالتاريخ والفكر، فكان يطالع الكتب والمقالات كزاد لم ينقطع عنه يومًا.
أفق ما قبل الحرب الملبّد
في مرحلة فتوته، عاش الخازن أجواء لبنان المتأرجح بين أحلام الاستقرار وكوابيس الانقسام. في تلك المرحلة، تفتّح وعيه على وطن يسعى لإيجاد توازن بين تناقضاته، في مواجهة التحديات الإقليمية زمن التظاهرات والإضرابات، كأن عاصفة تهبّ على الوطن، والطلاب في وسطها.
لم يكن بالإمكان تجاهل الوجود الفلسطيني المسلّح كعنصر طارئ على الحياة اللبنانية. أخذ عدد الفلسطينيين المسلحين في لبنان يتزايد يومًا بعد يوم. ردّت إسرائيل على هذا التفلّت الفلسطيني، وحدث خرق أمني هو الأول من نوعه. الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968، كانت بداية ردود الفعل الإسرائيلية على التطورات اللبنانية والتمدد الفلسطيني المسلّح.
في نيسان 1969 حصل صدام بين التنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة والجيش اللبناني أنتج أزمة سياسيّة دامت نحو سبعة أشهر وانتهت مع توقيع اتفاق القاهرة. راح التمدد الفلسطيني يتسع حتى طرق المدائن كلها واستمرت أعمال الشغب بتقطّع ثم تصاعدت وتيرتها إلى أن كانت شرارة حرب 1975.
إشتعلت على هامش الحرب بين منظمة التحرير وإسرائيل، حروب متقاطعة في لبنان، بما فيها حرب بين اليمين واليسار. وحرب بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وحرب بعض الدول العربية على بعض الدول العربية الأخرى. وغيرها من الحروب، بما فيها الحروب السورية والإيرانيّة والإسرائيليّة.
تفجّر بركان الحرب
واكب فريد الخازن كل المراحل التي مرّت بها البلاد في النصف الأخير من القرن الماضي لاسيما فترة الحرب وتداعياتها. الحرب اللبنانية التي انطلقت شرارتها في 13 نيسان 1975 وضعت لبنان في مهب الريح، وأثّرت تداعياتها في تحديد أولويات الخازن.
يوم 13 نيسان 1975 وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة. عمت الاشتباكات بمختلف الأسلحة ووقع ضحايا، وقطعت الطرقات العامة وتمّ الإعتداء على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع. أخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
شهدت تلك المرحلة تصاعدًا للعنف بين الميليشيات المسيحية والفلسطينية، وسط انهيار الدولة المركزية وعجزها عن السيطرة على الوضع. دخل الجيش السوري إلى لبنان في 13 يونيو 1976، بهدف تقديم الدعم للجيش اللبناني في مواجهة الميليشيات المختلفة. منذ تدخُّل سوريا في لبنان، تحولت لاعبًا رئيسًا في الحرب، بعد أن انقلبت قواتها من طرف يسعى لاستقرار الوضع إلى جزء من النزاع.
سعت دمشق إلى الهيمنة على الملف الفلسطيني، في محاولة للحد من نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية، مما خلق توترات بين الجانبين. تاريخ التدخل السوري في لبنان عكس شبكة معقدة من التحولات الإقليمية والدولية، وفاقم الانقسامات السياسية والطائفية التي أثرت على البلاد لعقود.
عند بلوغه الثامنة عشرة، وأمام تسارع الأحداث والتطورات، شعر الخازن وكأن الحلم يضيع، والهمّ، كل الهمّ، صار في معالجة المشاكل اليومية، الأمنية منها بنوع خاص.
خلال حرب المئة يوم، سقطت قذيفة مدفعية على منزل فريد الخازن في الأشرفية، وشاءت العناية الإلهية أن الجميع كانوا انتقلوا للإقامة في ميروبا، حيث اعتادوا قضاء فصل الصيف. تلك الحادثة هبطت على مسامع فريد الخازن كالصاعقة. بعد حرب المئة يوم، إتُخذ القرار ببناء منزل في منطقة النقاش على أرض يمتلكها جد فريد الخازن، ليصبح مقر إقامة دائم، بعيدًا عن المخاطر التي كانت تهدد الحياة في العاصمة.
الجامعة في مرحلتها الأولى
إنتقل فريد الخازن من معهد الحكمة، مشبعًا باللغة الفرنسية، إلى الجامعة الأميركية في بيروت، المرتكزة على اللغة الإنكليزية. تَحَوُّلٌ، جسّد خطوةً غير مألوفة آنذاك، إذ قلّما أقدم تلميذٌ تمرّس على الفرنسية على خوض مغامرةٍ أكاديميةٍ في بيئةٍ لغويةٍ مختلفة تماماً. غير أنّ نظرته البعيدة جعلته يدرك أنّ مستقبل العلوم والمعرفة يتّجه نحو الإنكليزية، والرؤية الحقيقية للتقدّم تقتضي جرأة التكيّف والانفتاح على العالم الأوسع.
كانت الجامعة الأميركية قد افتتحت فرعًا لها في ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية بعد اندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975 وانقسام العاصمة إلى شطرين، كي يواصل طلابها دراستهم في أجواءٍ أكثر أمناً. في رحاب تلك الجامعة، اختار الخازن دراسة الهندسة، وبدأ خطواته الأولى نحو عالم العمارة.
إنتقل فريد الخازن من ذلك الفرع في الأشرفية، إلى الصرح الرئيس في شارع بلس في منطقة رأس بيروت. كان الانتقال بالنسبة إليه تجربةً جديدة تداخل فيها الخطر اليومي مع الإصرار على متابعة الحلم. في تلك الظروف الصعبة، تابع دراسته وسط ضجيج الحرب وفي زمنٍ كانت فيه بيروت مدينةً منقسمة على ذاتها، تتقاسمها خطوط التماس. كان يعبر نحو غرب المدينة من شرقها، وهو يدرك حجم الخطر المحدق به، في مرحلةٍ غدت فيها الهوية نفسها تهمةً، والعبور مغامرةً قد لا تُكتب لها العودة.
عندما بدأت شوارع المدينة تتناقل أخبار الخطف والقتل، وتترقب وجوه الناس المارين بعيونٍ متوجسة، بدأ القلق يساوره، خصوصًا بعد أن انتشر خبر اختطاف أحد أقربائه، طالب طبّ يدرس في الجامعة اليسوعية، اختفى دون أثرٍ، في زمنٍ تحوّل فيه الخطف لغةَ الترهيب اليومي. هزّته تلك الحادثة، وبدت له كجرسٍ إنذار.
في تلك اللحظة، تداخل الخوف الشخصي مع الخطر العام، وصار البقاء في الجامعة مغامرةً لا يُعرف مآلها، إلى أن جاء يوم، كان يقود سيارته في أحد شوارع بيروت الغربية، حين أوقفه جنديان سوريان مدججان بالسلاح، وطلبا منه أن يقلهما إلى وجهةٍ لم يكن يعرفها. لم يجد أمامه خياراً سوى الامتثال. أدار المقود وهو يحبس أنفاسه، وكأنه يعيش لحظة اختطافٍ صامتة.
وصل الجنديان إلى حيث يريدان وترجلا من السيارة، وعاد الخازن أدراجه كمن يستيقظ من كابوس أسود. تركت تلك الحادثة أثرًا في ذاكرته لا يُمحى، جعلته يعيد حساباته ويوازن بين طموحه الفردي ومصير وطنٍ يتداعى بين يديه.
شعر بالصرح الجامعي، الذي كان يوماً منارةً للعصر والانفتاح والتنوّع، يستحيل بؤرة قلق واضطراب، سيما بعدما غدت الرفقة الطلابية، التي كانت تجمعه بزملائه، محاطةً بالتوجّس، إذ كانت الغالبية من أبناء المناطق المناهضة للمنطقة الشرقية التي ينتمي إليها، وكانوا ينظرون إلى القادمين منها كغرباء عن نسيجهم السياسي. غابت الطمأنينة عن جو الجامعة، وأدرك أنّ بيروت التي أحبّها لم تعد كما عرفها. فقرّر أن يترك الجامعة الأميركية في بيروت، حفاظاً على ما تبقّى من أمانٍ داخلي وكرامةٍ إنسانية. خرج منها وفي نفسه حزنٌ عميق.
كان لفريد الخازن أصدقاء يقيمون في الولايات المتحدة، جمعته بهم روابط إنسانية متينة، فكانوا له بمثابة الجسر بين بيروت الجريحة والعالم الواسع خلف المحيط. في زمنٍ ضاق فيه الأفق داخل الوطن، فتحت تلك الصداقات أمامه نافذةً جديدةً على مستقبلٍ أكثر أماناً وحريةً، إذ لمس في تواصلهم نداء الفرصة. حين حصل على تأشيرته، أحسّ كأنه يعبر بوابةً بين عالمين: عالمٍ تركه وراءه يضجّ بالقلق، وآخر ينتظره بآفاقٍ جديدةٍ.
الجامعة في مرحلتها الثانية
غادر فريد الخازن لبنان بعد سنتين قضاهما في الجامعة الأميركية في بيروت، تاركاً خلفه بلادًا ممزّقة وعاصمة منكوبة. كانت وجهته الولايات المتحدة يبحث فيها عن ذاته في فضاءٍ أرحب.
إلتحق بداية بجامعة ميزوري، وهي تُعدّ إحدى الجامعات العريقة التي رسخت حضورها الأكاديمي منذ تأسيسها العام 1839 في مدينة كولومبيا، وكانت أول جامعة عامة تُنشأ غرب نهر المسيسيبي. خلال ثمانينيات القرن العشرين تحوّلت تلك الجامعة وجهةً مفضلة لعدد كبير من الطلاب الأجانب، ومنهم طلاب من الشرق الأوسط ولبنان.
شكّلت كلية الهندسة في جامعة ميزوري مركز جذب أساسي لطلاب الطموح العلمي، إذ تميزت ببرامجها الدقيقة وبالدمج بين الجانب النظري والتطبيقي. كذلك اتّسمت الحياة الجامعية فيها بالتنوّع الثقافي، حيث عاش الطلاب في بيئة علمية متوازنة توفر سبل الراحة والدراسة ضمن مناخ أميركي هادئ بعيد عن صخب المدن الكبرى.
عندما التحق فريد الخازن بتلك الجامعة، ظنّ أن ما سبق وأنجزه في لبنان سيُحتسب له، وأن تعب السنتين في الجامعة الأميركية في بيروت لن يضيع سدى. غير أنّ النظام الأكاديمي في الولايات المتحدة كان مختلفاً في بنيته ومناهجه، إذ اعتُبرت المواد التي درسها موادًا اختيارية لا تؤهله التقدم في الاختصاص.
بدا له الأمر في البداية محبطاً، كأن الزمن عاد إلى نقطة البداية، وهو ما كان يرفضه. لم يحتمل فكرةَ إعادة دراسة المواد التي كان قد أنجزها من قبل. رفض أن يسلك الطريق نفسه مرتين.
لم يتردّد في إعادة النظر في مساره العلمي، فاختار أن يفتح صفحةً جديدةً في مجالٍ آخر، يوازن بين الفكر العملي والرؤية الشاملة للعالم. من هنا، وقع خياره على علم الاقتصاد، علماً واسعاً متشعّباً، جذبته ديناميّته واتّساع مجالاته. هكذا اتّجه نحو دراسة الاقتصاد، واضعاً خلفه مسار العمارة ليبدأ رحلةً مختلفة في عالم الفكر الاقتصادي والعلوم الاجتماعية. خيار ساعده على إعادة تنظيم مساره الأكاديمي من جديد، واستعادة ثقته بنفسه، والإندماج في بيئته الجامعية الجديدة.
بعد نحو سنة ونصف من الدراسة المعمّقة والمكثفة، نال فريد الخازن درجة البكالوريوس (B. S) في الاقتصاد. أداؤه المميّز في مجال اختصاصه أهّله للقبول في جامعة كورنيل، والتحق ببرنامج الدكتوراه في الاقتصاد (حيث لا برنامج ماجستير)
تُعدّ جامعة كورنيل (Cornell University)، واحدة من أعرق الجامعات الأميركية، وقد تأسست العام 1865 في مدينة إيثاكا (Ithaca) بولاية نيويورك، على يد عزرا كورنيل وأندرو وايت اللذين أرادا أن تكون الجامعة نموذجاً جديداً للتعليم العالي يجمع بين العلوم النظرية والتطبيقات العملية.
منذ نشأتها، عُرفت كورنيل بانفتاحها الفكري وبسعيها إلى دمج التعليم الكلاسيكي بالبحث العلمي المبتكر، كما تميّزت بكونها أول جامعة أميركية تمنح القبول من دون تمييز ديني أو اجتماعي، وهو ما منحها طابعاً إنسانياً وتقدّميّاً فريداً في القرن التاسع عشر واستمرّ أثره حتى العقود اللاحقة. في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، عرفت هذه الجامعة توسعاً كبيراً في التعاون بينها والقطاع الصناعي الأميركي، حيث أُقيمت شراكات مع شركات رائدة في مجال التكنولوجيا والطاقة، مما أتاح لطلابها فرصاً واسعة للتدريب العملي والمشاركة في مشاريع بحثية متقدمة، مع حضور أكاديمي قوي في مدينة نيويورك عبر مستشفاها التعليمي وكلية طبها الشهيرة.
بالنسبة لفريد الخازن، كانت الدراسة في جامعة كورنيل تجربة علمية وإنسانية متكاملة. هناك، وجد بيئة جامعية منفتحة تحتضن الفكر النقدي والبحث العلمي الحر، فاستفاد من مكتباتها الضخمة ومراجعها المتنوعة، ومن الأساتذة الذين يُعدّون من أبرز المختصين في مجالات الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.
تعمّق في دراساته العليا باهتمام وشغف، وقد ظهرت لديه في تلك المرحلة قناعة أكاديمية واضحة قوامها الربط بين علم الاقتصاد والسياسة العامة. تميّز الخازن – الطالب، بأسلوب تفكير علمي منظم، وبقدرة على الربط بين النظريات والوقائع.
رغم هذا الجو العابق بالجدية والعلمية الذي اختبره في جامعة كورنيل، حيث أنهى فصلاً دراسيًا، إلا أنّه وجد نفسه أمام برنامجٍ أكاديمي يركّز على الرياضيات، أكثر من تركيزه على علم الإقتصاد، وهو محور اهتمامه الأكاديمي، حتى بدت الدروس الاقتصادية فيه ثانوية، وكأنها عابرة في مناهج يغلب عليها الطابع الحسابي الصرف.
والمفارقة كانت أن الأستاذ المشرف على أبحاثه، لم يكن اقتصاديًا بالمعنى التقليدي، بل عالمًا معروفًا في صناعة الحليب، وهو أحد أبرز رجالات البحث العلمي في أميركا في مجال اختصاصه. أثار هذا التناقض دهشة فريد الخازن، إذ لم يجد في ذلك التخصّص ما يوازي اهتمامه الفكري والسياسي، ولا ما يعكس رؤيته للاقتصاد بوصفه علمًا يرتبط بالمجتمع والإنسان لا بالمصانع والآلات.
ولأن البرنامج الذي التحق به لم يرق له، ولم يجد فيه ما يُشبِع شغفه المعرفي أو ينسجم مع رؤيته الفكرية، شعر الخازن بأن المسار الذي يسلكه لا يشبهه. فقد كان البرنامج موجّهًا نحو مجالات تطبيقية في صناعة الحليب والمواد الصناعية في أميركا، بعيدة عن اهتماماته التي كانت تميل إلى فهم المجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية في العالم.
مع مرور الوقت، تولّد لديه إحساس عميق بأن البقاء في هذا الاختصاص طيلة سنوات لن يمنحه ما يبتغيه من أفقٍ فكري أو عمقٍ تحليلي، فاختار أن يُغيّر وجهته بشجاعة، مستجيبًا لنداء داخلي يدعوه إلى مسارٍ آخر أكثر انسجامًا مع اهتمامه الفكري.
المشهد اللبناني عبر مجهر الغربة
لم يكن الاغتراب اللبناني في الولايات المتحدة موحّدًا سياسيًا، في اتجاه واحد. بينما كانت القوات اللبنانية ناشطة في واشنطن، كانت الأطراف اللبنانية الأخرى تتحرّك أيضًا، معززة حضورها. من جهة الكتائب والقوات اللبنانية، تولّى قيادة الحراك الإغترابي السياسي في واشنطن، ألفريد ماضي. كذلك لعب السفير عبدالله بو حبيب دورًا مهمًا في تعزيز هذ الحراك، خصوصًا وأنه عيّن سفيرًا للبنان في عهد الشيخ أمين الجميل.
شكّل هذا السياق المحيط بالمغتربين في واشنطن مرجعًا وبيئة يمكن من خلالها مراقبة تجارب التنظيمات السياسية، وهو ما أتاح لفريد الخازن، غير المنتمي إلى أية جهة حزبية، متابعة النشاطات الوطنية عن كثب، مع الحفاظ على مسافة عقلانية مستقلة عن أي انحياز مباشر لأي طرف سياسي.
أما في الكنيسة المارونية في واشنطن، التي كان يرعاها الأب هكتور الدويهي، المطران لاحقًا، فكان الواقع أكثر تعقيدًا. لم يكن الأب هكتور سياسيًا بالمعنى المباشر، لكنه كان مقربًا من المعارضة الزغرتاوية بقيادة سمير فرنجيه. ومع ذلك، حرص على ألا يظهر ميوله السياسية بشكل علني، محافظًا على خدمته الكنسية والرسولية بعيدًا عن أي انحياز سياسي ممكن أن يؤثر على دوره الديني والاجتماعي داخل الجالية.
كان فريد الخازن، من جهته، على علم ودراية كاملة بهذا الموقف، مدركًا التوازن الدقيق الذي حافظ عليه الأب دويهي بين ميوله السياسية الشخصية ومسؤوليته الدينية.
في السياق، برز فريد الخازن المراقب المستقل، الذي يرصد الأحداث ويحلل تحركات الأطراف المختلفة دون الانخراط المباشر في أي منها، محافظًا على موقفه الحيادي ورؤيته الجامعة. كان يتعاطى مع القضايا اللبنانية بمنظور مختلف، وموقفه لم يتأثر بالانقسامات الطائفية أو المذهبية، أو بالاعتبارات الشخصية والمصالح الضيقة. ركز على اكتشاف الخلل في المنظومات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحليلها بموضوعية.
لم يقتصر اهتمامه على القراءة السطحية للأحداث، بل كان يكتب عن الواقع اللبناني، محللًا المشهد العام، باحثًا في مخرجات الأزمات المتراكمة وآثارها على النسيج الوطني. هذه الاستقلالية الفكرية منحته مَلَكَةَ التجرد والموضوعية في التحليل، فيكتب بأسلوب متزن، ويعالج الأحداث اللبنانية والإقليمية بعقل نقدي بعيد عن الانحيازات.
الجامعة في مرحلتها الثالثة
عاد فريد الخازن، إلى لبنان لمناسبة الأعياد، وأمضى بعض الوقت. في تلك الزيارة، تجددت في نفسه مشاعر الانتماء إلى وطنٍ لا يفارقه مهما ابتعد، وشعر بأنّ عليه أن يعود إلى متابعة دربه العلمي بخطواتٍ أكثر وعيًا وثباتًا.
بعد تلك الاستراحة، غادر لبنان مجددًا نحو الولايات المتحدة، قاصدًا هذه المرة جامعة جونز هوبكنز، إحدى أعرق الجامعات في العالم في ميدان الدراسات الدولية. إنتقل إلى جامعة جونز هوبكنز، حيث بدأ مرحلة جديدة من تكوينه الأكاديمي، فاختار أن يستكمل دراسته بالماستر في العلاقات الدولية، مجددًا تركيزه على الاقتصاد الدولي الذي وجد فيه ما يجمع بين اهتماماته السابقة في الاقتصاد ورغبته في فهم توازنات القوى التي تحكم العلاقات بين الدول والشعوب.
رأى في الجامعة الجديدة فرصة لاستئناف رحلته في بيئةٍ علميةٍ أكثر انفتاحًا، تسمح له بأن يجمع بين الاقتصاد والعلوم السياسية، بين النظرية والتاريخ. هناك، في قاعات جونز هوبكنز، بدأت ملامح الباحث المفكّر تتبلور بوضوح، وبدأ شغفه بالعلوم السياسية يتخذ شكلاً متماسكًا يقوده لاحقًا نحو التعمّق في دراسة الدولة والمجتمع والأنظمة السياسيّة في الشرق الأوسط.
اكتسبت جامعة جونز هوبكنز مكانتها المرموقة في الولايات المتحدة والعالم، بفضل ريادتها في البحث العلمي والتعليم العالي منذ تأسيسها في العام 1876 في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند. حملت الجامعة اسم رجل الأعمال والمُحسن جونز هوبكنز الذي موّل إنشاءها ومؤسساتها الطبية والبحثية، لتكون أول جامعة أميركية تتّبع النموذج الألماني في التعليم القائم على البحث العلمي والمختبرات، ما جعلها منذ بدايتها منارة فكرية وعلمية في مختلف ميادين المعرفة.
في العقود التالية، توسّعت جامعة جونز هوبكنز لتصبح مؤسسة أكاديمية متعددة الفروع، تضم كليات رائدة في الطب والهندسة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والإدارة والسياسة الدولية. ومع اتساع دورها العالمي، افتتحت الجامعة مراكزها في عدد من المدن الكبرى، وكان لواشنطن العاصمة مكانة خاصة ضمن هذا التوسّع، إذ رأت فيها الجامعة فضاءً مناسباً للتفاعل المباشر مع مؤسسات صنع القرار الأميركي والدولي. لذلك أنشأت هناك مقراً جامعياً حديثاً، على مقربة من مباني الكونغرس والبيت الأبيض، ليكون مركزاً أكاديمياً وبحثياً متقدماً يحمل الآن إسم “مركز بلومبرغ” التابع لجونز هوبكنز.
رسّخت جامعة جونز هوبكنز حضورها في واشنطن بوصفها جسراً بين البحث الأكاديمي والممارسة السياسية، وجعلت من فروعها في إيطاليا والصين، منصة للحوار بين الثقافات ولتكوين كوادر قيادية في مجالات السياسة العامة والاقتصاد والإدارة الدولية. وبذلك، لم تعد مجرد جامعة ذات سمعة علمية عالية، بل مؤسسة فكرية مؤثرة في صناعة الأفكار والقرارات.
مع انخراط فريد الخازن في دراسته في جامعة جونز هوبكنز، تبلورت رؤيته الفكرية، وأدرك متانة الرابط بين علمي السياسة والاقتصاد. في بدايات دخوله إلى جامعة جونز هوبكنز، واجه فريد الخازن حادثةً تركت في نفسه أثرًا عميقًا. كان يحمل في قلبه حماسة الطالب القادم من بعيد، يخطو أولى خطواته في عالمٍ أكاديمي مرموق، مثقلٍ بالرموز والأسماء اللامعة.
هناك، تعرّف على أحد أبرز الأساتذة في الجامعة، فؤاد عجمي، الأستاذ اللبناني الأصل الذي ذاع صيته في الأوساط الفكرية الأميركية والعربية، وكان يومها نجمًا ساطعًا في سماء الأكاديميا، يُنظر إليه بإعجابٍ وتقديرٍ كبيرين.
إقترب فريد من الدكتور عجمي بروحٍ ودّية يغمرها الإعجاب والفخر، فقد رأى فيه مرجعًا معرفيًا وأبًا رمزيًا يمكن أن يمدّه بالتشجيع والاحتواء في بيئة جديدة غريبة عنه تمامًا. تقدّم نحوه، يعرّف بنفسه كطالبٍ لبناني التحق حديثًا بالجامعة، ويخبره بأنه يتابع إحدى المواد التي يدرّسها، متطلعًا إلى كلمة ترحيب أو إيماءة تشجيع من هذا الاسم الكبير الذي يجمع بين الأصل المشترك والمجد الأكاديمي. لكنّ الرد جاء على غير ما توقّع. إستقبله البروفسور ببرودة ظاهرة، ونصحه أن يختار مادةً مختلفة، كما لو أنه يثنيه عن المضي في الطريق الذي رسمه لنفسه.
كانت تلك اللحظة صدمةً مؤلمة للشاب الآتي من لبنان، إذ شعر أنّ الأبواب التي كان يظنها ستُفتح له بالانتماء المشترك، قد أوصِدت فجأة بوجهه. مع ذلك، لم يتراجع، ولم يسمح للخذلان أن يُطفئ في نفسه جذوة الطموح، بل حمل تلك التجربة كدرسٍ مبكرٍ في الحياة الأكاديمية، علّمته أنّ الطريق إلى التميّز لا يُشقّ بالمجاملات، بل بالعمل والثقة بالذات.
تابع دراسته العليا، متقدّمًا نحو شهادة الدكتوراه، حيث اختار أن تكون أطروحته بحثًا علميًا معمّقًا في الشرق الأوسط وسياساته، مركزًا على التداخل بين الديناميات الاقتصادية والبنى السياسية في تلك المنطقة المضطربة.
إنكبّ على العمل لأشهرٍ طويلة في المكتبات والمراجع والمراكز البحثية، يقرأ ويحلّل ويقارن بين التجارب، جامعًا بين المنهجية الأكاديمية الصارمة والرؤية التحليلية العميقة. تابع فريد الخازن دراسته لنيل شهادة الماستر في العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز بهدوء وثقة، مبتعدًا عن أي محاولة للاقتراب من الأستاذ فؤاد عجمي بعد تلك الحادثة الأولى التي تركت في نفسه شيئًا من الخيبة. لم يأخذ أي درسٍ عنده طوال سنتين كاملتين، مكتفيًا بالمضي في مساره الأكاديمي الخاص.
بعد مرور نحو عامين، شاءت الصدف أن تجمعه مجددًا بالبروفسور عجمي في أروقة الجامعة. جرى لقاء عابر بين الطالب والأستاذ، فسأله عجمي بنبرةٍ مختلفة هذه المرة: "ما الذي تتخصص فيه؟" أجابه فريد بوضوح، مبيّنًا اتجاهه في البحث والدراسة، فطلب منه الأستاذ أن يُريه البحث الذي يعمل عليه في إطار دراسته العليا. لم يتردد فريد في إرسال العمل إليه، واضعًا أمامه خلاصة جهده وتحليله الرصين بلغةٍ علمية متينةٍ وموضوعٍ عميقٍ تناول الاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط من زاوية نقدية جديدة.
يبدو أنّ البحث ترك أثره الإيجابي في نفس الدكتور، فقرأ فيه جديّة فكرية ونضجًا معرفيًا لافتًا، فكان ذلك بداية التحوّل الجذري في العلاقة بينهما. تبدّدت البرودة الأولى، وانقلبت إلى تقديرٍ متبادل واحترامٍ حقيقي. منذ تلك اللحظة نشأت بينهما علاقة أكاديمية رصينة، اتّسمت بالجدّ والثقة، وصار فؤاد عجمي ينظر إلى فريد الخازن لا كطالبٍ عابر، بل كباحثٍ واعدٍ يمتلك رؤية وعمقًا. تغيّر الجو بينهما كليًّا، فتحوّلت الفجوة الأولى إلى جسرٍ من الحوار والاحترام، وأصبح عجمي أحد الداعمين لمسيرته البحثية في الجامعة.
تقدّم بعد فترة وجيزة بطلبٍ رسمي للالتحاق ببرنامج الدكتوراه، فتمّ قبوله استنادًا إلى تميّزه في أبحاثه وعمق مقاربته الفكرية. خلال تلك المرحلة، تعزّزت علاقته بالدكتور عجمي الذي غدا أحد أعمدة إشرافه الفكري والمعنوي. تحوّل الاحترام المتبادل بينهما إلى صداقةٍ فكرية متينة، قوامها الحوار والبحث المشترك والثقة المتبادلة.
صار عجمي يرى في فريد الخازن نموذج الطالب المجتهد الذي يجمع بين الانضباط العلمي والحسّ النقدي، فيما وجد فريد فيه أستاذًا نادرًا يجمع بين العمق والجرأة، وبين الانتماء إلى الفكر الغربي والانفتاح على قضايا الشرق الأوسط. تواصلت لقاءاتهما ونقاشاتهما في مكاتب الجامعة وأروقتها، حيث تبادل الاثنان الرأي في قضايا السياسة والمجتمع والدين، وفي موقع لبنان في خريطة الشرق المتغيّر. أصبحت الصداقة بينهما ركيزة من ركائز مرحلة الدكتوراه، ومصدر دعمٍ وإلهامٍ عميقٍ جعل فريد الخازن يواصل عمله بثقةٍ وهدوء، متقدّمًا نحو أطروحته الكبرى التي ستشكّل لاحقًا علامة فارقة في مسيرته الأكاديمية والفكرية.
بينما كان فريد الخازن يتابع دراسته العليا في جامعة جونز هوبكنز تحت إشراف البروفيسور فؤاد عجمي، كان الأخير منهمكًا في إعداد واحد من أبرز مؤلفاته التي تناول فيها شخصية الإمام موسى الصدر، الزعيم الروحي والسياسي للطائفة الشيعية في لبنان.
شكّل هذا العمل حدثًا فكريًا لافتًا في الأوساط الأكاديمية الأميركية، إذ قدّم عجمي قراءة معمّقة للظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بظاهرة الإمام الصدر، محللًا دورها في إعادة تشكيل الوعي الشيعي الحديث وفي مسار لبنان المعاصر.
كان فريد الخازن قريبًا من أجواء إعداد هذا الكتاب، وشارك في النقاشات الغنية التي رافقت كتابته. ترك هذا التفاعل أثرًا عميقًا في فريد الخازن، إذ رأى في أستاذه نموذج المفكر الذي يمزج بين الحسّ الأكاديمي الصارم والرؤية الإنسانية الواسعة، كما وجد في موضوع الإمام الصدر مجالًا خصبًا لفهم التحولات اللبنانية من الداخل، بعيدًا عن الصور النمطية السائدة في الغرب. هكذا، كانت تلك المرحلة من أبرز محطات التفاعل الفكري بين الطالب والأستاذ، حيث التقت المقاربات الأكاديمية بالتجارب الشخصية، وتعمّقت الصداقة بين فريد الخازن وفؤاد عجمي على قاعدة الاحترام المتبادل والاهتمام المشترك بالواقع اللبناني.
خلال تلك السنوات السبع التي قضاها في جامعة جونز هوبكنز، عاش فريد الخازن تجربة أكاديمية اتسمت بالثراء الفكري والانفتاح المعرفي. إلى جانب البروفسور فؤاد عجمي، تلقّى دروسه على أيدي نخبة من كبار الأساتذة الذين قدموا من مشارب إنسانية وجغرافية متعددة، ما أتاح له الاطلاع على مدارس فكرية متباينة ووجهات نظر متناقضة أحيانًا، ومنهم:
George Liska, Robert Tucker, Robert Osgood
لقد درس على يد أساتذة ينتمون إلى دول عرفت تجارب سياسية واقتصادية متناقضة. بعضهم من الاتحاد السوفياتي السابق والعالم الاشتراكي، وأوروبا الشرقية وآخرون من الولايات المتحدة ومن العالم العربي. شكّل هذا التنوع بيئة فكرية خصبة ساعدته على تطوير نظرته النقدية وفهم العلاقات الدولية من زوايا متعددة. أما الأساتذة، فرغم اختلاف خلفياتهم الفكرية والثقافية، فقد جمعهم احترام الرأي الآخر والانفتاح على الحوار العلمي الرصين.
إشكالية العلاقة الفلسطينيّة – اللبنانيّة
روّج بعض المفكرين الفلسطينيين واليساريين داخل الجامعات الأميركية لعلاقة هادئة ومستقرة بين اللبنانيين والفلسطينيين، حاجبين الخلافات العميقة بين الطرفين، والواقع المعقد على الأرض.
فضح الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ١٩٨٢ تلك السرديّة، حيث ظهرت مواقف اللبنانيين الرافضة للوجود الفلسطيني العسكري بشكل جلي. وأصبح واضحًا أن الصورة المثالية التي روجت لها بعض الأطراف لم تكن تعكس الواقع، بل كانت تغطي على النزاعات والتوترات القائمة على الأرض.
عندما كتب فريد الخازن عن هذه الحقيقة وأظهرها في دراسات نُشرت في الولايات المتحدة، واجه هجومًا مضادًا من أكاديميين فلسطينيين ومن تيارات وفصائل مرتبطة بهم، رفضوا انتقاد الواقع الذي أظهره، معتبرين ذلك مساسًا بالرواية المعهودة، مما أبرز التوتر بين البحث الأكاديمي الموضوعي والروايات السياسية والتوجهات الأيديولوجية السائدة في الأوساط الأكاديمية والسياسية.
كان البروفسور فؤاد عجمي، ومعه لبنانيون مقربون منه ومن المفكرين الفلسطينيين، يعتقدون، في البداية، أن لا مشكلة حقيقية قائمة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وأن التعايش بين الشعبين مبني على فهم مشترك للحقوق والمصالح والتعاطي مع العدو المشترك. لكن مع اجتياح إسرائيل للبنان، أدرك عجمي وسواه من الأكاديميين اللبنانيين الأميركيين حقيقة مغايرة لما كان يعرفونه سابقًا.
كان فريد الخازن شاهداً على هذا التحوّل الفكري العميق داخل الأنتلجنسيا العربية في أميركا، حيث عاين كيف ولّدت هذه الحقيقة تباعدًا بين الدكتور عجمي والدكتور إدوارد سعيد، مثلاً، بعدما كانت تربطهما علاقة صداقة متينة.
لقد بدأ عجمي يبدّل في قناعاه ونظرته إلى الوجود الفلسطيني في لبنان ما أثار حفيظة إدوارد سعيد. ومع مرور الوقت، تفاقم الخلاف بعدما انقلب الدكتور عجمي على السردية الفلسطينية – اليسارية التقليدية ونقضها، الأمر الذي وضعه في مواجهة حادة مع زميله السابق سعيد. تطورت الخلافات إلى حد تبادل الاتهامات، حتى أصبح الصراع عموديًا، مما وفر لفريد الخازن فرصة نادرة لمتابعة المواجهات الفكرية والسياسية من الداخل، وأتاح له فرصة رصد التغيرات الفكرية والثوابت الأكاديمية، عن قرب، بفعل التجارب والمواقف السياسية، وكيف تتأثر القراءات البحثية بالقضايا المعقدة والصراعات الإقليمية.
المشهد اللبناني في حقبة الثمانينيات
في سنوات إقامته في الولايات المتحدة الأميركية، لم يغب طيف لبنان وواقعه المأزوم عن تفكيره. رغم متابعته الحثيثة للأحداث في لبنان واهتمامه العميق بمصير وطنه، بقي فريد الخازن مستقلًا في مواقفه الفكرية والسياسية، ولم ينخرط في أي تنظيم سياسي في الاغتراب. حافظ على موقفه المتعالي عن الانقسامات الحادة التي كانت تضرب لبنان داخليًا وخارجيًا، متخذًا مسافة عقلانية من الأطراف المختلفة، محافظًا على استقلالية رأيه وحرية قناعاته.
البعد الإقليمي والعالمي في فكر الخازن
شكلت تداعيات الأحداث اللبنانية المأساوية المتلاحقة، فرصة لفريد الخازن للتأمل في ارتباط السياسة بالأمن والاقتصاد والدبلوماسية، فتولّدت لديه قناعة بأن دراسة القضايا اللبنانية والإقليمية لا تكتمل دون مراقبة تأثيراتها على المجتمع الدولي، واستشراف انعكاسات الصراعات المحلية على الأمن العالمي والاستراتيجيات الكبرى، مما زاد من عمق رؤيته التحليلية واستقلاليتها.
تميزت مقاربة فريد الخازن بالشمولية، وتجاوز الواقع اللبناني الضيق لتغطي مساحة الشرق الأوسط بأكملها. لم يدرس القضية اللبنانية بمعزل عن محيطها الإقليمي، بل اعتبر لبنان جزءًا من شبكة تحولات أوسع، ذات تمدد إقليمي ودولي على حد سواء، في السياسة والاقتصاد والمجتمع.
في الموازاة، تزامن وجوده في الجامعة مع تبلور فكر العولمة بمفهومه الجديد، ومع بداية انهيار المنظومة الاشتراكية في العالم، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي والدول الملحقة به، مما أدى إلى تحوّل المجتمع الدولي تدريجيًا إلى مجتمع يهيمن عليه القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. تمكّن الخازن من رصد هذه التحولات وتحليل تداعياتها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، متابعًا عن كثب الحراك المالي والسياسات الاقتصادية والاستراتيجيات الدولية التي بدأت تشكل مسار العلاقات بين الدول.
أصداء بيروتية صاخبة
شهدت العاصمة اللبنانية حادثة مروعة استهدفت السفارة الأميركية في ١٩٨٢، وأسفرت عن سقوط ضحايا بارزين من بينهم رئيس المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط، ما شكّل صدمة كبيرة على المستويين اللبناني والدولي. ثم شهدت بيروت في أواخر أكتوبر من العام ١٩٨٣ حادثة مأساوية هزت العالم بأسره، حين استهدف إنفجار إرهابي قوات حفظ السلام الدولية المنتشرة في بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي. ضربت التفجيرات المقرّات التي كانت تضم الجنود الأميركيين والفرنسيين، وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، كما أصيب المئات بجروح متفاوتة.
نُفذ الهجوم بواسطة سيارة مفخخة اقتحمت المقر الأميركي، وأدت قوة الانفجار إلى تدمير المبنى بالكامل، فيما تعرّض المقر الفرنسي لهجوم مماثل. شكّل هذا العمل الإرهابي رسالة قوية ضد الوجود الأجنبي في لبنان، في وقت كانت فيه البلاد تمزقها النزاعات الداخلية بين الميليشيات اللبنانية المختلفة.
من نافذة غربته، كان فريد الخازن شاهداً على الأثر العميق الذي تركه هذا الإعتداء داخل المجتمع الأميركي. تركت هذه المأساة أبلغ الأثر في فكر فريد الخازن، إذ أدرك كيف يمكن للأحداث المحلية أن تتجاوز حدود الوطن، وتؤثر على المجتمع الدولي بأكمله.
الباحث العالمي الشاب
خلال سنوات دراسته الأكاديمية في جامعة جونز هوبكنز، بدأ فريد الخازن – طالب الدكتوراه - ينخرط في نشاط بحثي موسع خارج أروقة الجامعة، إذ شرع في التواصل مع كبريات المجلات العلمية الرصينة تلك المرحلة، مقدّمًا لها دراسات وأبحاثًا كتبها في مواضيع اختصاصه بالاقتصاد الدولي والسياسة الشرق أوسطية.
ومن المفارقات في مسار الخازن، أنّه، وهو لا يزال طالبًا جامعيًا، حاز اهتمام أعرق المجلات والصحف الأميركية والبريطانية المتخصصة، والتي لم تتردد في نشر أبحاثه على صفحاتها، لا سيما:
Washington Post, National Interest, Middle Eastern Studies, Foreign Policy.
مجلة Foreign Policy فتحت لفريد الخازن منبرها، وهي واحدة من أبرز المصادر الأميركية المتخصصة في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية، تأسست العام 1970 على يد Samuel P. Huntington و Albert J. Simpson Jr. br، قبل أن تشهد تطورًا كبيرًا في العقود اللاحقة لتصبح منصة إعلامية عالمية تهتم بتحليل السياسة الدولية، الأمن، الاقتصاد العالمي، والدبلوماسية. تتميّز Foreign Policy بمزيج من الدراسات الإخبارية والتحليلات العميقة التي يقدمها خبراء وعلماء متخصصون في العلاقات الدولية، وهي تنشر الآن محتوى تحليلي طويل نسبيًا، يشمل مقالات رأي، حول القضايا الاستراتيجية الكبرى.
على صفحات مجلة Foreign Policy، كتب فريد الخازن دراسة بحثية هامة لاقت شهرة واسعة بين القراء بفضل طابعها العلمي الدقيق. وكانت الدراسة بمثابة نقطة تحول في مسيرة الخازن الأكاديمية والمهنية، إذ جذبت اهتمام مدير تحرير صحيفة واشنطن بوست، الذي أرسل له رسالة تنويه وتقدير لما طرحه من أفكار وتحليلات معمقة. واللافت أن هذا التقدير حصل للخازن قبل أن ينال درجة الدكتوراه.
أما "واشنطن بوست" فهي واحدة من أبرز الصحف الأميركية والعالمية، وقد رسّخت مكانتها كمرجع رئيس للأخبار السياسية والتحليلية في الولايات المتحدة والعالم، بعدما اكتسبت سمعتها القوية منذ فضيحة "ووترغيت" في السبعينيات التي أسهمت في استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون، ولا تزال تلك الفترة تؤثر على هويتها التحريرية، حيث استمرت في تبني نهج الصحافة الاستقصائية وقد اشتهرت بالمقالات التحليلية العميقة والتقارير الميدانية الدقيقة، التي كتبها صحفيون بارزون مثل بوبي رينولدز وفينسنت كاهيل، وغيرهم.
لم تتردد تلك الصحيفة العريقة في نشر مقالات الخازن السياسية. هكذا، وقبل أن يختتم فريد الخازن مرحلة دراسته العليا في جامعة جونز هوبكنز، كان قد أصدر بالفعل دراسات علمية متميزة عدّة، نُشرت في المجلات والدوريات العالمية الأميركية والبريطانية.
شكّلت هذه الكتابات علامة فارقة في مساره الأكاديمي، إذ لم يكن من الشائع لطالب في مرحلة الدكتوراه أن يحظى بمثل هذا الاعتراف المبكر من مؤسسات علمية دولية مرموقة. هكذا بدأ اسم فريد الخازن يكتسب بعدًا علميًا وبحثيًا محترمًا في أوساط المجتمع الأكاديمي الدولي، وهو لا يزال طالبًا، ما زاد من ثقته بنفسه، وعزز احترام الآخرين لقدراته ومهاراته، ورفع من مكانته بين زملائه والأساتذة، وجعل اسمه يُذكر بين الباحثين الواعدين.
العودة إلى لبنان
مع أنّ فريد الخازن كان مؤهّلاً للبقاء في الولايات المتحدة بعد نيله الدكتوراه، وفتح أمامه أفق العمل في أرقى المؤسسات الأكاديمية والبحثية، إلا أنّه، ولدوافع عائلية، فضل العودة إلى لبنان.
كان بإمكانه أن يستقر هناك لسنة أو سنتين على الأقل، يؤسّس نفسه علميًا ومهنيًا، ويستفيد من شبكة العلاقات التي كوّنها خلال سنوات الدراسة في أعرق الجامعات الأميركية. إلا أنّه اتخذ قرار العودة إلى لبنان رغم المخاطر، مواجهاً الواقع الذي كانت الحرب لا تزال مشتعلة فيه، لا سيما في سنتيها الأخيرتين، حيث كان اللجوء والاختباء من القذائف جزءًا من الحياة اليومية للمواطنين.
هذا الخيار كان محل انتقاد من بعض الأساتذة، وعلى رأسهم البروفسور فؤاد عجمي الذي لم يخفِ صدمته، ورآه قرارًا متهورًا. إذ اعتبر التخلي عن فرصة العمل في الخارج، حيث كان بإمكان فريد أن يؤسس مسارًا مهنيًا راسخًا، ينطوي على مخاطرة كبيرة قد تُعرّض مستقبله العلمي والمهني للضرر. إلا أن فريد تمسّك بخيار العودة.
بعد عودته إلى لبنان، التحق بالجامعة الأميركية في بيروت الشرقية، مفتتحًا مساره التدريسي في أواخر الثمانينيات، حيث بدأ ينقل خبراته الأكاديمية والمعرفية إلى الطلاب في زمنٍ كانت البلاد فيه لا تزال تعيش الحرب.
تميّز في صفوفه الجامعية بأسلوبه الرصين، يجمع بين العمق العلمي والحس الوطني، ويُخاطب طلابه بلغة فكرية راقية تُحفّز على النقد والتحليل لا على التلقين والحفظ. كان يعتبر القاعة الجامعية مساحة للحوار الحر، ولتكوين جيلٍ من الشباب الواعي القادر على قراءة الواقع بعينٍ ناقدةٍ ومسؤولة.
في موازاة عمله الأكاديمي، انخرط في الشأن العام لا من باب السياسة التقليدية، بل من باب الفكر والإصلاح. كتب في الصحف والمجلات دراساتٍ ومقالاتٍ نقدية حول بنية النظام اللبناني وأزماته البنيوية، مسلّطًا الضوء على مكامن الخلل في الإدارة والسياسة والمجتمع. كان فريد الخازن في تلك المرحلة من أبرز الأصوات الأكاديمية التي طالبت بإعادة النظر في مفهوم الدولة ودور المؤسسات في لبنان.
في الوقت ذاته، ظلّ وفيًّا لهويته اللبنانية المارونية المتجذّرة، مؤمنًا بأن قوة لبنان في تعدّده، وأن الموارنة أدّوا في تاريخه دورًا تأسيسيًا لا يُختزل بطائفة بل برؤية وطنية شاملة.
في كنف اتفاق الطائف
يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية بالضربة القاضية، وقُطعت الطريق أمام الرئيس سليمان فرنجية للوصول إلى الرئاسة. يوم الأحد 18 أيلول 1988 بقي من الزمن أربعة أيام من عهد الرئيس أمين الجميل.
الوفد الأميركي برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مرفي توصل مع القيادة السورية إلى دعم النائب مخايل الضاهر لانتخابات رئاسة الجمهورية، المقررة في 22 أيلول 1988، قبل أن يغادر بيروت على متن طوافة تابعة للجيش اللبناني إلى لارنكا بعد فشله في إقناع الجهات العسكرية والسياسية في المنطقة الشرقية باتفاقه مع السوريين.
يوم الخميس 22 أيلول 1988، وقّع الرئيس أمين الجميل مراسيم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، فدخل لبنان عهد الحكومتين: الأولى مقرها القصر الجمهوري في الصنائع والثانية مقر قيادة الجيش في اليرزة. إعتذر اللواء محمود طي أبو ضرغم والعقيد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر عن مشاركتهم في الحكومة التي اقتصرت على العماد عون والعميد إدغار معلوف والعقيد عصام أبو جمره. أما الحكومة الثانية فترأسها الدكتور سليم الحص.
تعرّف فريد الخازن على العماد ميشال عون حين أسند إليه، وبالتعاون مع زملاء مقربين، مهمة تأسيس مجلة "الدفاع الوطني"، التي كانت تهدف إلى تقديم دراسات معمّقة حول القضايا العسكرية والاستراتيجية والسياسية، بأسلوب علمي وتحليلي دقيق، بعيد عن التهويل أو المزايدات السياسية. شكّلت هذه المهمة محطة جديدة في مسار الخازن، إذ دمج بين خبرته الأكاديمية ومهاراته التحليلية، وأسهم للمرة الأولى، في نشر فكر استراتيجي رصين في لبنان.
صودف وجود الدكتور فريد الخازن في وزارة الدفاع عند اندلاع معركة سوق الغرب، حيث يشارك في اجتماع لإدارة مجلّة الدفاع الوطني. وما إن بدأ القصف طُلب من المجتمعين التوجّه فورًا إلى الملاجئ في الطوابق السفليّة المحصّنة، وهي المساحة التي يلجأ إليها القادة والعسكريون في حالات الطوارئ، وتشكل ملاذًا آمنًا.
تحوّل المبنى إلى هدف مباشر، واهتزّت جدرانه تحت وقع القذائف التي راحت تنهال بكثافة. وقد سقطت إحداها في المكتب نفسه الذي كان يشهد الاجتماع قبل دقائق، فدمرته. بعد توقّف القصف، خرج الخازن إلى محيط الوزارة متفحّصًا آثار الضربة. بدا المشهد كارثيًا: شهداء وضحايا وإصابات، دمار شامل، سيارات محطّمة، شظايا متناثرة. أصيبت سيارته بأضرار واخترقتها الشظايا، لكنها بقيت صالحة للسير، خلافًا لسيارات أخرى تحوّلت إلى هياكل تالفة. المشهد مروّع بكل تفاصيله، ودمار ثقيل يختصر قسوة المعركة. بقي ذلك اليوم محفورًا في الذاكرة. أيام سوداء بكل ما للكلمة من معنى، عاينها فريد الخازن لحظة بلحظة، شأن جميع اللبنانيين.
يوم الثلاثاء 14 آذار 1989، رفض الرئيس عون ما أنجز في الطائف متحديًا الإجماع العربي عليه وأعلن الحرب على سوريا، فصبّت الراجمات حممها على بيروت بشطريها وطالت الضاحية والجبل والشرقية وصولاً إلى المديرج وشتورة. عاين فريد الخازن الواقع المتدهور، وكان أشبه بكابوس مرعب.
إستشهاد الرئيس رينيه معوض في 22 تشرين الثاني 1989 شكّل صدمة كبيرة للبنان، حيث اغتيل في يوم عيد الاستقلال بُعَيد انتخابه رئيساً للجمهورية. وبعد يومين على الإغتيال، إنتخب النائب الياس الهراوي لرئاسة للجمهورية. يوم الثلاثاء 28 تشرين الثاني عينت حكومة الوفاق الوطني العميد إميل جميل لحود قائدًا للجيش اللبناني، بعد أن رقي إلى رتبة عماد، في ظل رفض العماد عون التجاوب مع اية قرارات تصدر عن الحكومة الجديدة والرئيس الهراوي.
يوم الأربعاء الحادي والثلاثون من كانون الثاني 1990، إحترقت الشرقية من جديد، ولكن هذه المرّة، في معارك اندلعت بين الجيش والقوات اللبنانية. حرب مدمرة طالت كامل المنطقة الشرقية موقعة خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
في 13 تشرين الأول 1990، دخلت القوات السورية المناطق الشرقية وأعلن الرئيس ميشال عون تنحيه واتجه نحو منزل السفير الفرنسي رونيه ألا في منطقة الحازمية.
(يتبع...)