الزواج النابوليوني الأول

في أروقة قصر هوفبورغ في فيينا، وفي أواخر القرن الثامن عشر، نشأت الأرشيدوقة جوزيفين على عداءٍ عميق لفرنسا ولنابليون بونابرت، في طفولةٍ مثقلة بصور الهزائم التي لحقت بوالدها الإمبراطور فرانس، وبظلّ المقصلة التي التهمت عمتها ماري أنطوانيت.
كانت ترى في نابليون شبحاً يطارد عائلتها وإمبراطوريتها، فيكبر معها الرعب.
كان لنابليون وجهٌ آخر.
ضابطاً شاباً، أحب جوزيفين حباً جارفاً، وكتب لها من ساحات القتال ما يفيض شغفاً.
لكنها قابلت ذلك ببرود وخيانة، فتكسر داخله شيءٌ لم يلتئم، وصاغت تلك التجربة رجلاً أكثر قسوة.
لكن السياسة لا تعترف بالمشاعر.
ففي العام 1810، وبعد انكسار النمسا، قرر البلاط تقديم جوزيفين ثمناً للسلام.
فوجدت نفسها، وهي في الثامنة عشرة، مسوقةً إلى زواجٍ لم تختره، متجهة إلى باريس لتلتقي رجلاً كانت تراه عدواً أسطورياً.
حين صار إمبراطوراً، اكتشفت إنساناً أقل وحشية مما رسمته مخيلتها، إمبراطوراً يسعى إلى كسب ودّ حفيدة القياصرة.
عاشت إلى جانبه إمبراطورة مطيعة، لكن قلبها ظل معلّقاً بفيينا.
عجزها عن الإنجاب جعل الطلاق حتمياً، رغم الألم المشترك.
مع الانفصال، لم يتنكر لها.
أبقاها إمبراطورة باللقب، ومنحها قصر مالميزون، وسدّد ديونها، وضمن لها حياة مترفة.
ظل يزورها ويكاتبها، بل أتاح لها رؤية ابنه، مدركاً حنانها للأطفال.
عندما غادر نابليون باريس مطلع 1814 ليقود حملته الأخيرة، كانت تلك الفراقات النهائية.
البلاط النمساوي، بقيادة مترنيخ، أعاد جوزيفين إلى فيينا بحجة الراحة، ثم أحاطها بالرقابة.
مع سقوط العاصمة وتنازله عن العرش، لم تلحق بنابوليون زوجته الثانية ماري لويز، أم ابنه، إلى منفاه في إلبا.
أما في فيينا، حيث جوزيفين، فظهر الكونت آدم ألبرت فون نيبيرغ، الجنرال الأعور، حارساً في الظاهر ومكلَّفاً بإبعادها عن ماضيها في السر.
لم يلبث أن نجح، فتعلّقت به جوزفين، بينما كان نابليون ينتظر رسائل لا تأتي.
في ربيع 1815، عاد نابليون من إلبا في مغامرته الأخيرة، ساعياً إلى شرعيةٍ يستمدها من عائلته.
لكن جوزيفين اختارت الاصطفاف مع والدها وحلفاء أوروبا، معلنة قطيعة نهائية.
بعد معركة واترلو، نُفي نابليون إلى سانت هيلينا، فيما كوفئت حوزيفين هي بدوقية بارما، وعادت نمساوية الهوى، مرتبطة بنيبيرغ الذي تزوجته سراً بعد موت الإمبراطور.
أما هو، ففي منفاه الأخير، وهو يودّع الحياة في سانت هيلينا 1821، تكدست في ذاكرته آخر الأسماء: فرنسا، الجيش، رأس الجيش، وجوزيفين.
الثلاثاء (13/1/2026)