عبقري الدانمارك

في السابع من تشرين الأول 1885، وُلد نيلز هنريك ديفيد بور في كوبنهاغن، في بيتٍ مثقف.
فيما بدا في طفولته هادئاً، متأنياً في الكلام.
لم تكن عبقريته صاخبة، بل تأملية، تشق مساراً مختلفاً غيّر وجه الفيزياء الحديثة.
بعد نيله الدكتوراه 1911، غادر بور الدنمارك إلى إنجلترا، للعمل أولاً مع جوزيف جون طومسون، مكتشف الإلكترون، ثم انتقل إلى مانشستر لينضم إلى إرنست رذرفورد حيث واجه واحدة من أعقد مشكلات الفيزياء: كيف تبقى الذرة مستقرة رغم قوانين الفيزياء الكلاسيكية التي تفترض انهيارها باستلهام فكرة «الكم» لماكس بلانك، توصّل بور إلى نموذج جديد للذرة، تتحرك فيه الإلكترونات ضمن مدارات محددة للطاقة، واضعًا حدًا لانهيار الذرة، وواضعًا أساس علم الذرة الحديث، في سلسلة أوراق نشرها 1913 ودوّت أصداؤها في العالم العلمي.
عاد بور إلى كوبنهاغن ليؤسس 1921 معهد الفيزياء النظرية، الذي تحوّل إلى قبلة العلماء.
في أروقته، التقى كبار الفيزيائيين من أمثال هايزنبرغ وباولي وديراك، وهناك تبلور ما عُرف لاحقاً بـ«تفسير كوبنهاغن» لميكانيكا الكم، القائل بأن العالم في جوهره احتمالي، وأن فعل القياس ليس محايداً بل يشارك في تحديد خصائص الجسيمات.
في مؤتمرات سولفاي الشهيرة، دخل بور في مناظرات فكرية حادة مع ألبرت أينشتاين، الذي لم يتقبل فكرة الاحتمال في الفيزياء الكمومية.
قال أينشتاين عبارته الشهيرة: «إن الله لا يلعب النرد»، فردّ بور بهدوء لا يخلو من حزم: «توقف عن إخبار الله بما يجب أن يفعله».
كانت تلك السجالات محطات مفصلية في فهم طبيعة الواقع.
مع احتلال النازية للدنمارك 1940، أصبح بور مهدداً على أكثر من مستوى، كونه من أصول يهودية وعالماً تدور حول أفكاره آفاق القوة الذرية.
نجح بور في الفرار إلى السويد مع زوجته، ثم انتقل إلى لندن، حيث شارك في مشروع مانهاتن داعيًا إلى تقاسم السر النووي دولياً، محذراً من سباق تسلح قد يقود البشرية إلى الهلاك.
بعد الحرب، عاد بور إلى كوبنهاغن، واختار أن يكرّس ما تبقى من حياته للدفاع عن السلام وحرية الفكر.
ظل حتى وفاته 1962 يذكّر بأن الحقيقة العلمية قد تكون أغرب من الخيال، وأن التقدم لا يولد من اليقين المطلق، بل من الجرأة على السؤال والاعتراف بحدود المعرفة.
الخميس (8/1/2026)