روسيا القيصرية
بداية، لم تكن «روسيا» دولةً، بل امتداداً شاسعاً من الغابات والسهوب الجليدية، تسكنه قبائل سلافية متناثرة تعيش على ضفاف الأنهار الكبرى، تعبد قوى الطبيعة وتتنازع بلا نظام، فوق أرض غنية تفتقر إلى رابط يجمع شتاتها.
في العام 862م، أرسلت هذه القبائل، وقد أنهكها الاضطراب، رسلاً إلى الفايكنغ عبر بحر البلطيق، المعروفين عند السلاف بـ«الفارانجيين» أو «الروس»، قائلة: «أرضنا عظيمة وغنية، لكنها بلا نظام… تعالوا واحكمونا».
لبّى النداء الإخوة الثلاثة يتقدمهم روريك، الذي أسس في نوفغورود سلالة حكمت سبعة قرون. ومن الشمال، اندفع خليفته أوليغ إلى كييف، معلناً إياها «أم المدن الروسية»، حيث ولدت دولة «كييف روس» المزدهرة.
في العام 988م، اتخذ الأمير فلاديمير القرار الذي صاغ روح روسيا.
بحث عن دين يوحّد شعبه، فرفض الإسلام لتحريمه الخمر، كما رفض اليهودية، وكاثوليكية روما، قبل أن يختار الأرثوذكسية البيزنطية بعد أن عاد مبعوثوه من القسطنطينية مبهورين بجلال كنيسة آيا صوفيا، قائلين: «لم ندرِ أكنّا في السماء أم على الأرض».
عُمّد الشعب في نهر الدنيبر، وارتبط مصير روسيا ببيزنطة روحياً وحضارياً.
لكن مجد كييف انكسر في القرن الثالث عشر، حين اجتاح المغول بقيادة باتو خان المدن الروسية، وأحرقوا كييف، فارضين «نير التتار» لقرنين ونصف.
عزل هذا الغزو روسيا عن نهضة أوروبا. ومن بين الركام، صعدت موسكو بهدوء ودهاء.
خدم أمراؤها المغول بدل مقاتلتهم، وكان إيفان كاليتا يجمع الضرائب للخان، محتفظاً بما يعزز قوة مدينته.
اشترت موسكو الزمن، وجمعت الأراضي من دون ضجيج، حتى جاءت لحظة التحول في معركة كوليكوفو 1380، حين هزم ديمتري دونسكوي المغول وكسر حاجز الخوف.
بعد سقوط القسطنطينية 1453، أعلنت موسكو نفسها «روما الثالثة»، حامية الأرثوذكسية ووريثة كييف.
في القرن السادس عشر، جسّد إيفان الرهيب صعود الدولة القيصرية، فحطم سلطة النبلاء، ووسع روسيا شرقاً حتى سيبيريا، محولاً الإمارة إلى إمبراطورية، وإن تركها مثقلة بالدم والفوضى.
ظلّت روسيا عملاقاً منغلقاً حتى ظهر بطرس الأكبر في أواخر القرن السابع عشر.
سافر بطرس متخفياً إلى أوروبا، وعاد ليجر بلاده نحو الحداثة.
بنى سانت بطرسبرغ «نافذة على أوروبا»، أسس الأسطول، هزم السويد، وأعلن ميلاد الإمبراطورية الروسية قوةً عظمى.
هكذا تشكّلت روسيا من روح سلافية قديمة، وتنظيم فايكنغي، وإيمان بيزنطي، وقسوة مغولية، وطموح إمبراطوري غربي، لتغدو تلك الدولة لغزاً تاريخياً متعدد الطبقات، عصيّاً على الاختزال.
الاثنين (12/1/2026)