الميلاد في الأرض الحرام

في شتاء العام 1914، وفي بدايات الحرب العالمية الأولى، غرقت جبهة فلاندرز في بلجيكا في خنادق موحلة تفصلها «الأرض الحرام» المليئة بالأسلاك الشائكة وآثار القذائف.
وفي ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر، عشية عيد الميلاد، تجمّد الطين بفعل الصقيع، وخفَتَت أصوات المدافع.
خرجت من الخنادق الألمانية مبادرة غير متوقعة، إذ شاهد الجنود البريطانيون شموعًا مضاءة على أشجار عيد الميلاد الصغيرة، قبل أن يرتفع غناء ترنيمة Stille Nacht، ليرد البريطانيون بترنيمة The First Noel بدل إطلاق النار.
مع فجر يوم عيد الميلاد، تجرأ الجنود من الطرفين على الخروج إلى «الأرض الحرام»، وتصافحوا وتبادلوا التحيات والسجائر والمؤن.
واستُغلت الهدنة لدفن القتلى الذين بقوا في العراء منذ أسابيع، حيث تعاون الجنود الأعداء على حفر القبور وقراءة الصلوات المشتركة.
وفي مشهد سريالي، لعب بعضهم كرة بدائية وسط الجليد والحفر، في لحظة إنسانية نادرة نسفت صورة العدو التي غذّتها الدعاية الحربية.
غير أن هذه الهدنة العفوية لم تدم، إذ أصدرت القيادات العليا، في اليوم التالي، أوامر صارمة بإنهائها وهددت بمحاكمة من يرفض القتال.
سرعان ما عادت نيران القناصة، وعاد الجنود إلى خنادقهم، لتُطوى هدنة الكريسماس ويستأنف القتال الذي استمر أربع سنوات أخرى، تاركًا ذكرى خالدة ليوم انتصرت فيه إنسانية الجنود على وحشية الحرب.
الأربعاء (17/12/2025) بقلم أنطوان فضّول