الإمبراطور المُعاق

في أروقة القصور الإمبراطورية بروما، وُلد تِيبيريوس كلاوديوس في العام العاشر قبل الميلاد، طفلٌ اعتبره الجميع عاراً على سلالة اليوليين-الكلاوديين. كان يعرج ويتلعثم ويسيل لعابه عند التوتر، فاحتقره أفراد عائلته، وكان الإمبراطور أغسطس نفسه يخجل منه ويمنعه من الجلوس في المنصات العامة.
لكن هذه "الإعاقة" كانت درعه. في زمن الخناجر والسموم، بقي بعيداً عن صراعات السلطة، غير مهدد، وترك ليعيش في مكتبته لنصف قرن، يدرس التاريخ واللغات، بينما يتساقط أقاربه الأقوياء في لعبة العروش الرومانية الدموية.
في يناير 41 ميلادية، اغتيل كاليغولا على يد الحرس الإمبراطوري. وُجد كلاوديوس يرتجف خلف ستارة، فحمله الجنود على أكتافهم إلى العرش، وسط دهشة مجلس الشيوخ وروما كلها. ومن خلف قناع "الأبله"، أظهر الإمبراطور قدراته المذهلة: أصلح القضاء، بنى ميناء أوستيا، مدد القنوات المائية، وقاد الفيالق إلى بريطانيا، مضيفاً الجزيرة إلى الإمبراطورية في موكب نصر مهيب.
لكن قلبه لم يعرف السلام. إذ خسر أمام نساء قاسيات، بداية بزوجته الثالثة ميسالينا التي أعدمها بعد خيانتها، ثم أمام "أغريبينا الصغرى"، ابنة أخيه الطموحة التي استغلت نفوذها لتحجز ولاية العهد لابنها نيرو، مطيحة بابنه الشرعي بريتانيكوس. وفي وليمة العام 54 ميلادية، قُتل كلاوديوس بالسم، بينما يعتقد أن أغريبينا كانت وراء ذلك لضمان صعود نيرو.
رحل كلاوديوس، الإمبراطور الذي خرج من خلف الستارة، تاركاً درساً قاسياً: العقول العظيمة قد تسكن الأجساد المحطمة، ومن يضحك عليه الجميع قد يكون هو القادر على الضحك أخيراً، لكن الثقة العمياء في الأقربين قد تكون أشد فتكاً من سيوف الأعداء.
السبت (27/12/2025)