لبنان واعتراف إسرائيل بأرض الصومال

كتب أنطوان فضّول:
اعتراف إسرائيل بأرض الصومال المطلّة على خليج عدن وباب المندب، يؤشر لخرائط جديدة للقرن الأفريقي والبحار المحيطة.
هذا الإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد منذ العام 1991 من دون أن يحظى باعتراف دولي، يتحوّل اليوم إلى نقطة تقاطع دولية، في لحظة يشهد فيها النظام العالمي سباقًا للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
يُشكّل أي اعتراف أحادي بأرض الصومال مساسًا مباشرًا بوحدة الدولة الصومالية، ويفتح بابًا واسعًا للنزاع الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية ويغذّي نزعات انفصالية أخرى.
البعد الأعمق لهذه الخطوة يتصل بإدراجها ضمن سياسة إسرائيلية توسعية أمنيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا، تقوم على التمدد خارج المجال الجغرافي التقليدي.
القرن الأفريقي، وباب المندب، يشكّلان هدفًا استراتيجيًا لتأثيرهما في أمن الملاحة وخطوط التجارة والطاقة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
تطمح اسرائيل إلى تعزيز نفوذها البحري، ونسج شبكات أمنية، وفتح أسواق جديدة للاستثمار، والهيمنة على الحركة الملاحية في البحر الأحمر والبحار المجاورة.
امتلاك حضور سياسي أو أمني على الضفة الأفريقية لباب المندب يمنح اسرائيل القدرة على مراقبة أحد أهم شرايين التجارة العالمية، في سياق تنافس دولي حاد.
لهذا المسار انعكاس غير مباشر ولكنه عميق على لبنان، اقتصاديًا وجيوسياسيًا، رغم بعده عن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فلبنان، بحكم موقعه وارتباطه بخطوط التجارة والطاقة، يتأثر بأي تحوّل في موازين السيطرة على الممرات البحرية التي تربط آسيا وأفريقيا بأوروبا.
أي هيمنة أو نفوذ متزايد لإسرائيل على حركة الملاحة في البحر الأحمر ينعكس على كلفة الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد التي تصل في نهاية المطاف إلى مرافئ شرق المتوسط، ومنها مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا.
خضوع الممرات البحرية لترتيبات أمنية اقليمية، قد يؤدي إلى تغيّر في مسارات التجارة العالمية وأولويات الشركات البحرية، ما يحدّ من قدرة مرافئ لبنان على منافسة مرفأي حيفا وأشدود.
يعمّق هذا الواقع اختلال التوازن في شرق المتوسط لمصلحة إسرائيل، التي تعمل على وصل نفوذها البحري بين المتوسط والبحر الأحمر، وتعزيز قدرتها على التحكم بالتجارة والطاقة.
هذا الأمر يضعف الموقع النسبي للبنان في أي معادلة إقليمية مقبلة تتصل باستخراج الغاز، أو بخطوط النقل البحري، أو بمشاريع الربط بين المرافئ وخطوط السكك الحديدية والأنابيب.
في ظل غياب رؤية لبنانية بحرية متكاملة، يصبح لبنان أكثر عرضة للتهميش في مشاريع إقليمية يُعاد رسمها من دون حضوره الفاعل.
تمدد النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يكمّل الطوق البحري غير المعلن المفروض على لبنان من الجنوب والغرب، ويزيد من تعقيد البيئة الأمنية المحيطة به.
تعزيز الدور الإسرائيلي في الملاحة الدولية قد يُستَخدم كورقة ضغط في ملفات خلافية مع لبنان، سواء في ما يتعلق بالحدود البحرية، أو بدوره في منظومة الأمن الإقليمي.
لا يمكن فصل ما يجري في البحر الأحمر عن موقع لبنان ومستقبله الاقتصادي والاستراتيجي.
فكل تقدّم إسرائيلي في السيطرة على مفاصل الملاحة العالمية يترجم تراجعًا إضافيًا في هامش الحركة اللبنانية، ما لم يُقابل بسياسة وطنية واضحة تعيد الاعتبار لدور المرافئ اللبنانية، وتحصّن موقع لبنان في التجارة والطاقة والأمن البحري في شرق المتوسط.
الاعتراف بأرض الصومال، مسار يحمل في طياته مخاطر على استقرار القرن الأفريقي، ويعيد خلط التوازنات في البحر الأحمر وشرق المتوسط، مع ما يعنيه ذلك من تحديات لدول مثل لبنان، التي تجد نفسها أمام تحولات تُرسم من دون أن تكون لاعبًا فاعلًا فيها.
الاثنين (29/12/2025)