للمغتربين حقّ انتخابيّ وسياسيّ

بقلم د. فريد الياس الخازن
الانتخابات النيابية مناسبة دائمة للتداول في قانون الانتخاب وتعديلاته، المعلن منها والمضمر. ثمّة من يريد توحيد البلاد واللبنانيّين بوسيلة الدائرة الانتخابيّة الواحدة. وثمّة من يريد تمثيلاً للمكوّنات ليس حرصاً على تحسين الأداء بل لأسباب أخرى. كلّ ذلك جائز في حال كانت الغاية تعزيز المحاسبة والرقابة والشفافيّة والالتزام بالقوانين بعيداً من الزبائنيّة ومغانم السلطة. في مجلس النوّاب حاليّاً أكثر من ستّين قانوناً مُقَرّاً بلا تنفيذ بسبب غياب المراسيم التطبيقيّة.
أمّا في ما يخصّ الخارج فالجدل قائم على تمثيل اللبنانيّين المقيمين خارج البلاد، وهم جماعات متنوّعة في أسباب الهجرة والأولويّات، ويشكّلون ثلاث فئات:
1- فئة من المهاجرين القدامى الذين انقطعوا عن لبنان، لغة وثقافة وانتماء، منذ فترة طويلة، ولا رابط لهم بالبلاد سوى التبّولة والحمّص والدبكة. معظم هؤلاء يتحدّرون من الدفعات الأولى للهجرة بدءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووجهتهم أميركا الجنوبية، وغالباً عن طريق الصدفة.
2- فئة من المهاجرين القدامى الذين حافظوا على ارتباطهم بأهلهم وأقاربهم أو قراهم، لا سيما منهم مهاجري أستراليا وإفريقيا وأميركا الشمالية. منهم من لا يأتي إلى لبنان للزيارة فحسب، بل للاستثمار أيضاً. خسر البعض منهم أموالاً في مصارف لبنان، التي أغرتهم بالفوائد المرتفعة وشجّعتهم العلاقات مع بعض أصحابها والسياسيّين النافذين.
3- فئة من الذين وُلدوا وتعلّموا في لبنان أو اكتسبوا مهارات، ثمّ انتقلوا إلى الخارج بسبب انسداد أفق العمل في البلاد، خصوصاً في السنوات الماضية قبل أزمة 2019 وبعدها. هؤلاء ليسوا مغتربين بل مقيمون في الخارج. إنّهم أبناء البلد المرتبطون مادّياً ومعنوياً واجتماعيّاً بالأهل والأصدقاء والبلدة والحيّ والطائفة والمدرسة والجامعة، ومنهم من تضرّر من السياسات الاقتصادية والماليّة ومن مقتلة المرفأ وحروب الماضي والحاضر. إنّهم لبنانيّون بالكامل، في السلوك والانتماء والطموحات، شأنهم شأن المقيمين في لبنان.
مقاعد الاغتراب… لهؤلاء فقط
في المحصّلة، الفئة الأولى من المغتربين المنقطعين عن لبنان يمكن إيجاد التبرير لتمثيلهم بنوّاب الاغتراب. أمّا الآخرون فعلاقتهم بالاغتراب قسريّة حتّمتها صعوبة ظروف العيش والعمل في لبنان. لذلك تخصيص مقاعد لتمثيل المغتربين قد ينطبق حصراً على الفئة الأولى، وهم أقليّة عدديّة بالمقارنة مع الآخرين في الفئتين الثانية والثالثة.
أمّا الحجّة لتبرير حصريّة التمثيل الاغترابي بالمقاعد الستّة (أو المذاهب الستّة) فهي التمثيل المعتمَد في بلدان أخرى، ومنها فرنسا. إلّا أنّها حجّة باطلة لأنّ نوّاب الشتات في فرنسا وناخبيهم، ومنهم حاملو الجنسيّة حديثاً، غير منشغلين بنيل حقوقهم في بلدهم، حيث القضاء مستقلّ والودائع المصرفيّة محفوظة والفاسد يُحاكَم والضمان الاجتماعيّ بخير ورواتب المتقاعدين مضمونة. يحمل الاقتراع لنوّاب الشتات في هذه البلدان، ولا سيما فرنسا، مضامين ديمقراطيّة غير مطلبيّة لتحصيل الحقوق والحماية الاجتماعيّة، مثلما هي حال اللبنانيّين في البلاد وخارجها.
تُساق حجّة أخرى لتبرير الاقتراع في الخارج متّصلة بعدم تكافؤ الفرص في الحملات الانتخابية لأسباب سياسيّة أو أمنيّة. إذا صحّت هذه الفرضيّة فكيف تصبح الفرص متاحة لمرشّحي الخارج المحسوبين على جهات سياسيّة معيّنة مثل مرشّحي الداخل؟ ما الفارق بين مرشّحي الداخل والخارج عندما تكون العوائق تنطبق على العمليّة الانتخابيّة في لبنان أو في أيّ مكان؟
الواقع أنّ الفارق يكمن في أنّ الاقتراع في البعثات الدبلوماسية اللبنانية لا يخضع لضغوط ولا تتدخّل في مساره سلطات الدول المعنيّة، بينما هو غير ذلك في أقلام الاقتراع المحلّية حيث الضغوط متاحة. ومقترعو الخارج أكثر استقلاليّة وأقلّ تمسّكاً بالاعتبارات المحلّية السائدة.
لاستكمال المشهد السورياليّ يتمّ توزيع المقاعد الستّة مذهبيّاً على القارّات الخمس (القارّة السادسة يمكن تفصيلها على القياس). السؤال: كيف سيتمّ التوزيع المذهبي في العالم؟ بحسب أيّ معيار؟ كيف سيتعرّف الناخبون على المرشّحين؟
نوّاب منفصلون عن هموم المغتربين؟
الأهمّ أنّ المرشّحين لا بدّ أن يكونوا أصحاب ثروات ضخمة تمكّنهم من فتح المكاتب والدعاية والتنقّل بين دول القارّات المعنيّة. في حال تمّ الانتخاب، ما الفعّاليّة المتوخّاة من أدائهم، وهم على الأرجح مدينون لانتخابهم لأهل الحلّ والربط في لبنان ويشكّلون أقلّ من خمسة في المئة من مجموع النوّاب المقيمين؟
لأنّ دوافع مرشّحي الخارج تتقدّمها الوجاهة والنفوذ الشكليّ، فقد تكون منفصلة عن هموم المغتربين وأولويّاتهم المختلفة بين مهاجري إفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا والخليج. ما الجامع بين نوّاب القارّات ونموذج الانقسامات واقع قائم في الجامعة اللبنانية الثقافيّة المولجة شؤون الاغتراب؟ هل المقاعد الستّة تشكّل حافزاً لأصحاب الكفاءات من اللبنانيّين للعودة إلى البلاد وتحول دون المزيد من الانقسامات بين المغتربين؟ هل لبنانيّو الخارج بحاجة إلى وساطة نوّاب القارّات، وبأيّ وسيلة مؤثّرة؟
تبقى الإشارة إلى ما سيأتي في المحطّة الأخيرة من البازار بعد أربع سنوات عندما يتمّ استبدال المقاعد الستّة في الخارج بمقاعد في مجلس الـ128. ما الجدوى من تثبيت الفصل بين لبنانيّي الداخل والخارج، فيكون الاغتراب مفيداً عند الحاجة أو يُجيّر لحسابات انتخابية خدمة لانتشار الداخل؟
لطالما تغنّى سياسيّو لبنان بالمهاجرين وإنجازاتهم وبدورهم في تقديم العون للبنان. إذا صحّ هذا الكلام فلا بدّ من ترجمته بإعطاء المغتربين الحقّ بانتخاب ممثّليهم في لبنان والعمل على تمتين الروابط المجدية بين جناحَي لبنان، لا سيما أنّ أعداد المغتربين من كلّ المكوّنات تفوق أعداد المقيمين المحاصَرين بالأزمات.