ألمشهد اللبناني

يوم الأربعاء ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٥، تداخل الحدث العالمي المتمثل بوصول الشاب الهندي الأميركي المسلم من أصول أوغندية، زهران ممدين، إلى رئاسة بلدية نيويورك، مع المشهد اللبناني، لما أثاره من رمزية في بلدٍ يتّسم بطموح أبنائه وصمودهم وإصرارهم على التقدّم رغم الصعوبات.
وفي المقابل، استمرّت العربدة الإسرائيلية على الأرض وفي التصريحات، في محاولة لفرض إرادة الاحتلال، وسط تراجع واضح في التزام إسرائيل بمستلزمات اتفاق وقف الأعمال العدائية وفق القرار 1701، وتعمّق الانقسام الداخلي اللبناني حيال مقاربة ما يجري.
وقد برز في هذا الإطار سجال سياسي جديد بين رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بعدما ردّ الأول على تصريحات الثاني مؤكداً أن كلامه عن عدم خرق المقاومة لاتفاق وقف النار لم يكن دقيقاً.
وفي موازاة ذلك، ركّزت الجهود الرسمية على ملف إعادة الإعمار في الجنوب، حيث أشادت مصادر عين التينة بموقف رئيس الحكومة نواف سلام الذي اعتبر إعادة الإعمار أولوية وطنية.
وكشفت المصادر عن اتفاقٍ تمّ بين الرئيسين بري وسلام لعقد لقاء تنسيقي في المصيلح، غير أن تعذّر إقرار قرض البنك الدولي في مجلس النواب دفع رئيس الحكومة إلى الاعتذار عن المشاركة وطلب التأجيل، بعد أن كانت الدعوات قد وُزِّعت والترتيبات اكتملت.
وعُرض على مجلس الوزراء تقرير الجيش اللبناني بشأن حصرية السلاح، فيما تزايدت في المقابل التحركات العسكرية الإسرائيلية على الحدود الجنوبية، حيث حشد الاحتلال بطاريات صواريخ ودبابات وجنوداً تمهيداً لعمليات محتملة، بدعم من المسيّرات وسلاح الجو.
وشرح قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال الجلسة ما أنجز من مراحل انتشار الجيش وما واجه من عقبات ميدانية، مؤكداً أنّ المؤسسة العسكرية تابعت مهماتها في مصادرة الذخائر وإقفال الأنفاق وتثبيت سلطة الدولة في المناطق الحدودية.
كما ناقش مجلس الوزراء تقرير اللجنة الوزارية المعنية بانتخاب المنتشرين، وسط محاولات لإيجاد تسوية تضمن مشاركة الجميع وتجنّب التباينات السياسية، في وقتٍ حضر فيه ملف الانتخابات النيابية المقبلة كأحد أبرز بنود الجلس.
وفي الإطار الديبلوماسي، بحث الرئيس نواف سلام مع المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت الأوضاع في الجنوب وسبل تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكد سلام أنّ الحكومة أعدّت لائحة بمشاريع البنى التحتية في المناطق الجنوبية، وأنها جاهزة للتنفيذ فور تأمين التمويل اللازم، مشدداً على أن عودة النازحين إلى قراهم تمثّل أولوية إنسانية ووطنية.
وفي سياق متصل، تكاثرت التسريبات عن تهديدات إسرائيلية متزايدة بشن حرب على لبنان بذريعة القضاء على حزب الله، بالتوازي مع تسريبات أميركية تدعو إلى فرض حلول ميدانية.
ومع ذلك، تمسّك الموقف اللبناني الرسمي بخيار التفاوض لا الحرب، شرط احترام سيادة لبنان واستقلال قراره.
وأفادت مصادر رسمية بأن الاتصالات الرئاسية جرت يومياً بعيداً عن الأضواء مع دول فاعلة، بانتظار وصول السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى إلى بيروت لتنسيق آلية المفاوضات عبر اللجنة المعنية المعروفة بـ«الميكانيزم».
وفي هذا الإطار، أوضح وزير الدفاع ميشال منسي أن اللجنة المذكورة تتّجه لتأدية دور تفاوضي يمهّد لبدء مفاوضات غير مباشرة لتثبيت الأمن على الحدود، مؤكداً أنّه لا يمكن أن تكون هناك إلا بندقية واحدة هي بندقية الدولة.
وأشار إلى أنّ المساعدات الأميركية والأوروبية للجيش بلغت نحو 242 مليون دولار، مع اتصالات جارية مع دول صديقة لتزويد الجيش بأسلحة إضافية استعداداً لتحمّل مسؤولياته الكاملة في الجنوب بعد انسحاب اليونيفيل.
غير أنّ التهديدات الإسرائيلية تصاعدت بعد منح المبعوث الأميركي توم براك مهلة تنتهي في نهاية تشرين الثاني لإحداث تغيير في ملف سلاح حزب الله، وإلا فإن إسرائيل ستكون في حلٍّ من التزاماتها.
وتحدّثت القناة الإسرائيلية الثالثة عشرة عن استعداد الجيش الإسرائيلي لجولة قتال قصيرة لكن قاسية، فيما توالت التصريحات عن نية تل أبيب تنفيذ عملية «قطع رأس حزب الله» إذا تجاوز الحزب الخطوط الحمراء.
وفي المقابل، وصف وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي هذه التهديدات بأنها شكل من أشكال إرهاب الدولة ومحاولة لترهيب لبنان، مؤكداً أنّ الحكومة لجأت إلى المساعي الديبلوماسية لتفادي التصعيد، مع متابعة تقرير الجيش حول حصرية السلاح وفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها رغم الخروق الإسرائيلية المتكررة.
أما بكركي، فعبّرت من خلال المطارنة الموارنة عن قلقها العميق إزاء ما يتعرّض له الجنوب من قصف واغتيالات، محذّرة من خطر انزلاق البلاد إلى حرب جديدة، وداعية إلى تطبيق القرار 1701 بحذافيره، كما شدّدت على ضرورة معالجة ملف السلاح في المخيمات الفلسطينية الذي بات يشكّل تهديداً أمنياً.
وفي خضمّ السجالات الداخلية، وجّه سمير جعجع ردّاً تفصيلياً إلى الرئيس بري، مذكّراً بأن اتفاق وقف إطلاق النار نصّ على تفكيك التنظيمات المسلحة غير الشرعية، وأنّ استمرار وجود مقاتلي حزب الله جنوب الليطاني يُعدّ خرقاً صريحاً، مشيراً إلى أنّ مواقفه تعبّر عن رأي أكثرية اللبنانيين.
ميدانياً، واصلت إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب، حيث استهدفت مسيّرة معادية سيارة مدنية بين برج رحال والعباسية، ما أدى إلى استشهاد القارئ الحسيني حسين جهاد ديب وإصابة آخر بجروح، فيما عمّت حالة من الهلع صفوف التلامذة في المدارس المجاورة.
كما ألقى جيش الاحتلال قنبلة صوتية في منطقة وطى الخيام أثناء قيام فريق مجلس الجنوب بالكشف على المنازل المدمّرة، وأطلق النار مساءً باتجاه وادي علما الشعب من موقع مستحدث داخل الأراضي اللبنانية.
وسُجّل تحليق مكثّف للطائرات المسيّرة فوق قرى الجنوب والبقاع الغربي حتى تلال الجبور، في ظل استنفار الجيش اللبناني الذي توجهت دورياته إلى مواقع الخرق.
(إعداد: أنطوان فضّول)