المفاوضات المباشرة والمسار المفخخ
كتب أنطوان فضّول:
في لحظة سياسية وأمنية دقيقة، تتجه الأنظار إلى انطلاق مسار تفاوضي لبناني – إسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، بدأ فعلياً عبر محادثات هاتفية تحضيرية جرت في واشنطن بين الأطراف المعنية، تمهيداً لجلسة أولى مرتقبة الأسبوع المقبل في وزارة الخارجية الأميركية، على مستوى السفراء، كاختبار أولي لإمكانية الانتقال من إدارة التصعيد إلى إدارة التسوية.
تقود واشنطن هذا المسار عبر مقاربة تقوم على خفض التصعيد أولاً، وفرض وقفة ميدانية مؤقتة مستلهمة مما يُعرف بـ”النموذج الباكستاني” لوقف إطلاق النار، على أن تمتد هذه المرحلة نحو أسبوعين كمرحلة اختبار للنيات السياسية والعسكرية، بما يسمح بفصل المسار اللبناني – الإسرائيلي عن المسار الأميركي – الإيراني، رغم إدراك الجميع وجود تقاطع بينهما.
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع هذا المسار وفق مقاربة تدريجية يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تقوم على البدء بملفات تقنية وإجرائية تتعلق بوقف النار وترتيبات الميدان، قبل الانتقال إلى الملفات السياسية أو الحدودية الكبرى، وفق مبدأ “التدرج المشروط” المرتبط بتطور الميدان.
لبنانياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ ثمّة انقسام داخلي حول طبيعة التفاوض وحدود الدولة ودور القوى غير الرسمية.
فالدولة اللبنانية، عبر رئاسة الجمهورية والحكومة، تتعامل مع المسار بوصفه فرصة لوقف الحرب واحتواء الانهيار، وإعادة إدراج لبنان على جدول الاهتمام الدولي، بما يتيح فتح نافذة دبلوماسية طال انتظارها، رغم إدراكها لحجم المخاطر المحيطة بهذا المسار.
في المقابل، يرفض “حزب الله” هذا المسار بصيغته المطروحة، ويعتبره محاولة لفرض وقائع سياسية تحت ضغط النار، مؤكداً على استمرار “المقاومة” ورفض العودة إلى ما قبل الحرب، في موازاة تحركات شعبية في محيط السراي الحكومي وبعض أحياء بيروت تعكس رفضاً لخيار التفاوض المباشر، ولقرارات مرتبطة بحصرية السلاح، ما يفتح الباب أمام احتكاك داخلي متزايد.
أما حركة “أمل” برئاسة الرئيس نبيه بري، فتبدو أكثر ميلاً إلى مقاربة براغماتية، توازن بين رفض الانزلاق إلى تسويات قسرية وبين تفادي الانفجار الميداني، مع التشديد على دور الدولة في إدارة أي مسار تفاوضي ضمن سقف وطني جامع.
إيرانياً، يُنظر إلى هذا التطور من زاوية أوسع مرتبطة بإعادة رسم التوازنات في الإقليم، حيث يُقرأ المسار اللبناني كجزء من شبكة تفاهمات وضغوط متبادلة لا يمكن فصلها بالكامل عن مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، رغم السعي الأميركي لإبقاء القناتين منفصلتين شكلياً.
في واشنطن، يظهر الدور الأميركي كراعي وضاغط في آن، هدفه تثبيت تهدئة ميدانية سريعة ومنع توسع الحرب، وفتح مسار تفاوضي مضبوط الإيقاع، يمنع الانفجار الشامل ويحول دون انزلاق الساحة اللبنانية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
داخلياً، ينعكس هذا التباين على الشارع اللبناني بتعقيدات واضحة، حيث تتباين المواقف بين بيئات سياسية وطائفية مختلفة: في الشارع الشيعي حضور قوي لهواجس المواجهة والرفض، في مقابل أصوات مسيحية تميل إلى دعم دور المؤسسات الرسمية وتثبيت القرار السيادي، بينما تبدي أوساط درزية ميلاً إلى أي تسوية تخفف حدة التوتر وتحفظ الاستقرار.
وفي السياق، يبرز موقف الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يميل إلى دعم توجهات رئاسة الحكومة، ولا سيما الرئيس نواف سلام، في مقاربته القائمة على تعزيز دور الدولة وتثبيت خيار المؤسسات، واعتبار التفاوض، إذا تم، جزءاً من مسار حماية لبنان لا إدخاله في محاور الصراع.
على الأرض، تتزامن التحضيرات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري لافت، خصوصاً في الجنوب والبقاع، في ظل غارات إسرائيلية عنيفة وردود صاروخية من الجانب اللبناني، ما يعكس خطاً متوازياً بين مسار التفاوض الناشئ ومسار المواجهة المستمر، ويزيد من تعقيد المشهد، ما يجعل من الجولة الأولى المرتقبة في واشنطن اختباراً حقيقياً ليس فقط لإمكانية التفاوض، بل لقدرة النظام اللبناني نفسه على إدارة واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخه الحديث.