خريطة استعادة الودائع

كتب أنطوان فضّول:
منعطف حاسم يشهده لبنان على صعيد القطاع المالي والمصرفي، في ظل الانهيار شبه الكامل الذي أصاب المصارف وفقدانها دورها التقليدي في تمويل الاقتصاد وحماية أموال المودعين.
فالقطاع الذي كان دعامة للاقتصاد أصبح شبه معطل، وتكاد الثقة به داخليًا وخارجيًا تكون معدومة.
يبرز مشروع رئيس الحكومة نواف سلام حول "خريطة استعادة الودائع" كخطوة تمهّد لاستعادة النظام المالي، إلا أن نجاحه مرتبط بالإصلاح.
المشروع الذي أعلن عنه سلام يقدّم خطة لتعويض المودعين الصغار والمتوسطين خلال أربع سنوات، حيث يُستعاد كامل المبلغ لمن تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار، فيما يُقدّم للمودعين المتوسطين والكبار 100 ألف دولار نقدًا إلى جانب سندات قابلة للتداول مدعومة بأصول مصرف لبنان.
الهدف المعلن هو إعادة الثقة بالنظام المصرفي، وضمان العدالة والمساءلة، بما يتوافق مع معايير صندوق النقد الدولي.
ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن الواقع المالي يحتم فهم حدودها، فالودائع لم تعد موجودة بالكامل.
من منظور اقتصادي ومالي، لا يمكن اعتبار الإصلاح مجرد إجراء ترقيعي أو توزيع مبالغ نقدية على مراحل.
فالواقع يفرض الاعتراف بالخسائر وتحميلها بعدالة لكل من المصارف والمساهمين، ولمصرف لبنان والدولة، مع إعادة هيكلة شاملة للقطاع.
ان اتفاقًا جديًا مع صندوق النقد الدولي، قد يمهّد لولادة قطاع مصرفي أكثر صلابة خلال سنوات قليلة، يختلف كليًا عن النموذج السابق للعام 2019.
فيما يخص المودعين، فإن أي خطة واقعية لا بد وأن ترتكز على حماية للودائع الصغيرة والمتوسطة، واستعادة مُجَدولة للودائع الكبيرة.
يتوقع أن تعتمد المعالجة على مزيج من استعادة مبالغ نقدية على مراحل طويلة، وتحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى أسهم في المصارف المعاد هيكلتها، وربط جزء آخر بعوائد مستقبلية.
التأخير في إقرار هذه القوانين لا يحمي الأموال المتبقية، بل يسرّع في تآكلها ويحوّل ما تبقى من ودائع إلى اقتطاع مقنّع.
إذا نجح لبنان في الجمع بين استعادة الودائع، والإصلاح الجذري للقطاع المصرفي، والالتزام بمعايير شفافة وعادلة، يمكن أن يخرج القطاع من الأزمة أقوى، مع إعادة بناء الثقة لدى المودعين والمستثمرين الدوليين.
وأي تهاون في الإجراءات الجزئية سيؤدي إلى مزيد من الانكماش، وتفاقم الأضرار على الاقتصاد وعلى الطبقة الوسطى التي تحملت أعباء الأزمة.
السبت (20/12/2025)