في لبنان خطان متوازيان... لكنهما يلتقيان

كتب أنطوان فضّول:
يواجه لبنان أزمته الحادة بتوزيع أدوار بين قياداته، في معبرين متوازيين: الأول يسلكه الرئيس نبيه بري وقيادة الجيش للوصول إلى تفاهمات مع حزب الله. والثاني يتولاه الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في إعادة نسج العلاقات العربية من جهة، وتعبيد الطريق نحو علاقات سوية مع سوريا من جهة أخرى.
تأتي المفاوضات الأمريكية الإيرانية لتخدم المعبر الأول حيث أكد الرئيس بري أن حزب الله سيلتزم بما تسفر عنه هذه المفاوضات.
أما المعبر الثاني فمساره المفاوضات المباشرة في واشنطن، بين إسرائيل من جهة، ولبنان من جهة أخرى.
يتواءم هذان المساران مع عودة للمملكة العربية السعودية الى لبنان، وتصريحات ايحابية يعلنها الرئيس الشرع متحدثًا عن إمكانية تفاهم اقتصادي وتعاون مالي إنمائي بين لبنان وسوريا من خلال الأسرة العربية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية.
يتناقض هذا التصريح مع تلميح للرئيس دونالد ترامب الى دعوة الشرع لمعالجة إشكالية حزب الله عوضاً عن إسرائيل، بتدخل عسكري سوري مباشر. تلميحات سرعان ما أطاح بها تصريح الشرع، عندما رفض تأزيم العلاقات مع لبنان مؤكدًا أن مصلحة البلدين، لبنان وسوريا، تكمن في أن تعاونهما اقتصادياً.
في دعوته سوريا للتدخل عسكريًا، يريد الرئيس ترامب أن يتوجه الى المتحمسين للمفاوضات الإيرانية الأمريكية ليذكرهم بأن الأزمة في لبنان ليست محصورة بين إسرائيل وحزب الله. فثمّة جهة اقليمية أخرى على عداوة مع حزب الله، هي النظام السوري الجديد.
أمام هذا التقاطع، تنشط الدبلوماسية اللبنانية لاستيعاب التعقيدات التي تحيط بلبنان، إن من جهة الاحتلال الإسرائيلي أو من جهة الدور الإيراني في السياسة الداخلية خصوصاً مع حزب الله والبيئة الشيعية، أو لجهة التلميحات والإيحاءات السورية وتدخلها المفترض في لبنان، مع ما يعني ذلك من تنشيط الحساسية المزمنة بين اللبنانيين والسوريين، خصوصًا في المرحلة التي كان فيها جيش نظام الأسد يهيمن على لبنان في السياسة والاقتصاد والاستراتيجية والقرار السيادي والقرار السياسي.
كما أن المعارك الطاحنة التي خاضتها المجموعات الشيعية بقيادة حزب الله ضد الثوار السّنة الذين يستولون على الحكم حالياً في سوريا، يريد ترامب ان يستذكرها بمآسيها وتعقيداتها، ملمحًا إلى امكانية إعادة تكوينها مستقبلاً في حال بقي حزب الله على قراره في الهيمنة على السلطة والدولة.
عمومًا يمكن تفسير الرعاية الأميركية لهذا المسار التفاوضي الذي يقوده الرئيس جوزاف عون، رغم نجاح المفاوضات الايرانية الأميركية، في سويسرا، ورغم التباين والتعارض بين المسارين، الى معالجة هادئة للتناقضات التي تفرضها تركيبة لبنان التنوعية، حيث أن التطورات الإقليمية والرؤى الاستراتيجية تتطلب اليوم إعادة تشكل الدولة اللبنانية، لأن تدفق المساعدات الخليجية والسعودية تحديداً يحتاج إلى أرضية وطنية غير محكومة بإرادة حزب الله الذي تآلف سابقًا مع نظام بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني والحوثيين والحشد الشعبي.
الدولة اللبنانية بمحوريها، محور الرئيس ورئيس الحكومة من جهة، ومن يدور في فلكهما، ومحور رئيس المجلس النيابي من جهة ثانية ومن يدور في فلكه، هذه الدولة تسعى، من خلال تناقض المحورين، إلى ارضاء كل الأطراف الاقليميين، بدبلوماسية متضاربة، إنقاذًا للبنان من تداعيات التحولات الكبرى التي تضرب الشرق الأوسط.
الأربعاء (24/6/2026)