رسالة مفتوحة على أفق مسدود

كتب أنطوان فضّول:
شكّلت الرسالة التي وجّهها حزب الله إلى الرؤساء الثلاثة محطة سياسية بارزة في المشهد اللبناني، ليس فقط لكونها إعلان موقف من مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، بل لأنها عكست تصوّراً متكاملاً لطبيعة التوازن بين الدولة والمقاومة، وحدّدت بوضوح الخطوط الحمراء التي يرسمها الحزب أمام أي مقاربة تفاوضية مع إسرائيل.
فالنص يتخطى اطار البيان التعبوي، الى وثيقة سياسية ذات دلالات متعددة تعبّر عن رؤية الحزب للعلاقة بين القرار الوطني والسيادة من جهة، ودور السلاح والمقاومة من جهة أخرى.
من خلال بنية الرسالة ولغتها، يتبيّن أن حزب الله سعى إلى نقل النقاش من الإطار السياسي الحكومي إلى الإطار الوطني الجامع، فخاطب الرؤساء الثلاثة بوصفهم رموز الشرعية الدستورية، لكنه في الوقت نفسه أظهر نفسه شريكاً في صياغة القرار الوطني.
وقدّم سرداً تفصيلياً يربط بين إعلان وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701، مؤكداً أن المقاومة التزمت بنود الإعلان في حين أن إسرائيل استمرت في خرقها الميداني.
هذا الطرح يهدف إلى تثبيت شرعية موقف الحزب باعتباره “الطرف الملتزم” في مقابل “العدو المعتدي”، ما يمنحه غطاءً أخلاقياً وسياسياً أمام جمهوره وأمام مؤسسات الدولة.
أما في البعد السياسي الداخلي، فقد حملت الرسالة انتقاداً مبطّناً للحكومة وقراراتها المتعلقة بحصرية السلاح، إذ وصفها الحزب بـ“الخطيئة الحكومية”، ورأى فيها تنازلاً مجانياً استثمره العدو لفرض نزع سلاح المقاومة كشرط لوقف العدوان.
بهذا الخطاب، يوجّه الحزب تحذيراً مزدوجاً: أولاً، إلى الداخل الرسمي لئلا يذهب بعيداً في تنفيذ التزامات تُفهم على أنها تنازل سيادي؛ وثانياً، إلى الخارج بأن معادلة القوة في لبنان ليست قابلة لإعادة التفاوض.
وهو بذلك يحصّن موقعه داخل النظام السياسي، ويرسم حدود الدور المسموح للمؤسسات في مقاربة ملف الأمن والدفاع.
في العمق، تبرز الرسالة كأداة لإعادة تحديد معادلة “الدولة والمقاومة”.
فهي تعترف ضمنياً بدور الدولة وتخاطبها كشريك، لكنها تضع السلاح في مرتبة موازية للشرعية الرسمية، مؤكدة أن الدفاع عن لبنان لا يخضع لقرار الحرب والسلم، بل هو “حق مشروع” تمارسه المقاومة بحكم الواقع.
هذه الثنائية تُعيد النقاش إلى جوهر الأزمة اللبنانية المستمرة منذ عام 2006: هل تستطيع الدولة احتكار القوة من دون المساس بمفهوم المقاومة، أم أن الحزب يكرّس واقعاً سياسياً وأمنياً يجعل السلاح جزءاً من البنية الوطنية؟ أما من حيث التداعيات، فإن الرسالة ستؤثر في اتجاهات الموقف الرسمي اللبناني حيال أي مفاوضات أو وساطات مقبلة.
فهي تضع الرئاسات الثلاث أمام معادلة صعبة بين الاستجابة للضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة عبر تفاوض غير مباشر، وبين الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم الداخلي لتجنّب انفجار سياسي أو أمني.
كما أن الرسالة تُحرج الحكومة في مقاربة ملف الاستراتيجية الدفاعية، إذ تجعل أي نقاش في هذا الإطار مشروطاً بموافقة الحزب وتحت سقفه السياسي.
إقليمياً، تشكّل الرسالة رسالة مضادة للمساعي الأميركية والإسرائيلية لتقليص نفوذ الحزب وتقييد حركته جنوباً.
فالحزب يعلن رفضه القاطع لأي تفاوض سياسي، ويربط وقف العدوان حصراً بتطبيق النصوص الحالية من دون تعديل، ما يعني عملياً إجهاض أي محاولة لفتح مسار سياسي جديد قد يضع سلاحه على طاولة التفاوض.
بذلك، يوجّه الحزب إشارة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن موازين القوى القائمة بعد الحرب الأخيرة لم تتغيّر، وأن أي ترتيب أمني أو سياسي لا يمكن أن يُفرض على لبنان دون موافقته.
الرسالة جاءت لتكرّس ثلاث ثوابت أساسية في مقاربة حزب الله للمرحلة المقبلة: أولاً، تثبيت شرعية المقاومة كجزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني؛ ثانياً، رفض التفاوض السياسي المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل خارج الإطار القائم؛ وثالثاً، دعوة ضمنية إلى توحيد الموقف الوطني خلف رؤية الحزب للأمن والسيادة.
هذه المندرجات تُعيد ترسيم الخريطة السياسية اللبنانية في مرحلة دقيقة، وتفتح الباب أمام اختبار جديد للعلاقة بين مؤسسات الدولة والمكوّن الأقوى في معادلة القوة الداخلية.
في الخلاصة، ان حزب الله في رسالته عمد الى اغلاق كل باب بوجه اي مبادرة محلية او اقليمية أو دولية، يمكن ان تحملها الوساطات المتعددة التي تتحرك باتجاه لبنان لاعادة الاستقرار الى ربوعه.