لبنان والفاتيكان: الدّور والرّسالة
بقلم د. فريد الياس الخازن
للعلاقات بين لبنان والفاتيكان خصوصيّة لا شبيه لها.
يصعب إيجاد شبيه بلبنان، الدولة والمجتمع المتنوّع أدياناً وطوائف، بينما لا شبيه للفاتيكان من حيث التلازم الوثيق بين الكنيسة والدولة.
تمايز وثبات تجلّيا في العلاقات التاريخيّة المديدة قبل نشوء الدولة وفي العلاقات الدبلوماسيّة طوال ثمانية عقود.
من هذا المنطلق تأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، بعد زيارات قام بها ثلاثة من أسلافه.
زيارة خاطفة قام بها البابا القدّيس بولس السادس للبنان في 1964 في طريقه من القدس إلى الهند.
هو الذي أشرف على مسار مجمع الفاتيكان الثاني ومقرّراته التي وضعت حدّاً فاصلاً بين حقبتين.
ثمّ جاءت زيارة البابا بندكتوس السادس عشر في 2012 بعد المجمع الكنسيّ في سياق إعلان الإرشاد الرسوليّ الخاصّ بالشرق الأوسط.
كانت زيارته الخارجيّة الأخيرة قبل تنحّيه.
أمّا المحطّة الفاصلة فكانت زيارة البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني لإعلان الإرشاد الرسوليّ الخاصّ بلبنان في أيّار 1997، وهي المرّة الأولى التي خصّص فيها الفاتيكان مجمعاً كنسيّاً لبلد واحد.
سبقت المجمع والزيارة رسالةٌ وجّهها الحبر الأعظم إلى الأساقفة الكاثوليك في لبنان في 7 أيلول 1989، رفع فيها لبنان إلى مصافّ الرسالة لجهة الحرّية والنموذج في التعدّدية.
كانت للبابا علاقة وطيدة مع البطريرك نصرالله صفير والتفاتة خاصّة إلى لبنان، الذي يشبه بلده بولندا زمن الحقبة السوفيتيّة، والنموذج المرتجى للعيش بحرّية وانفتاح بين المسيحيّة والإسلام.
شاءت العناية أن يكون لبنان في صدارة اهتمامات البابا يوحنّا بولس الثاني، الذي ترك بصمات دامغة داخل الكنيسة وفي السياسة الدوليّة.
لا تزال مكانته المميّزة مصدر رهبة واحترام في أوساط الكرسيّ الرسوليّ إلى اليوم.
هذا ما خبرته شخصيّاً.
للعلاقات بين لبنان والفاتيكان خصوصيّة لا شبيه لها.
يصعب إيجاد شبيه بلبنان، الدولة والمجتمع المتنوّع أدياناً وطوائف، بينما لا شبيه للفاتيكان من حيث التلازم
البابا فرنسيس لم يزُر لبنان لكن رعاه
من جهته، أراد البابا فرنسيس زيارة لبنان ولم يتمكّن لأسباب صحّيّة ولعدم توافر الظروف الملائمة.
أعطى لبنان دعماً مادّياً ومعنويّاً لا سيما بعد أزمة 2019 وانفجار المرفأ وجائحة كورونا.
تبرّع البابا من صندوقه الخاصّ بمئتَي ألف يورو وأرسل الفاتيكان كميّات كبيرة من المساعدات بدعم من جمعيّات خيريّة تتعاون مع الكرسيّ الرسوليّ.
يبقى أنّ الأبرز كانت مبادرة البابا فرنسيس إلى الدعوة إلى لقاء خاصّ في الفاتيكان جمع رؤساء الكنائس في لبنان الكاثوليك والأرثوذكس والإنجيليّين في أوّل تمّوز 2021.
تميّز هذا اللقاء غير المسبوق بحضور الحبر الأعظم مستمعاً لمداخلات المشاركين طوال يوم كامل وإلى جانبه كبار المسؤولين في الكرسيّ الرسوليّ.
تلت المداولات المغلقة صلاة مسكونيّة بمشاركة البابا ورؤساء الكنائس وحضور سفراء وحشد من المؤمنين.
في ختام اللقاء الذي حمل عنوان “معاً من أجل لبنان”، قال البابا فرنسيس: “لبنان بلد صغير كبير، وهو أكثر من ذلك: هو رسالة عالميّة، رسالة سلام وأخوّة ترتفع من الشرق الأوسط”.
ودعا إلى الكفّ عن “استخدام لبنان والشرق الأوسط لمصالح ومكاسب خارجيّة.
يجب إعطاء اللبنانيّين الفرصة ليكونوا بناة مستقبل أفضل، على أرضهم وبدون تدخّلات لا تجوز”.
لم يغِب لبنان عن مواقف البابا فرنسيس في المناسبات العامّة طوال حبريّته على الرغم من الأزمات الدوليّة المتعدّدة.
يأتي البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان حاملاً إرث أسلافه ووزنات دعمهم بلا مقابل.
بذلك يستكمل مسار من سبقه لتأكيد مركزيّة لبنان في اهتمامات الكرسيّ الرسوليّ بمعزل عن أزمات العالم، وللوقوف إلى جانب اللبنانيّين بكلّ انتماءاتهم في المحطّات الصعبة.
يسير البابا الجديد على خطى سلفه في الشأن الكنسيّ وفي السياسة الدوليّة، وإن اختلف أسلوب العمل.
وهو من دعاة البساطة والتواضع من أجل كنيسة قريبة من الناس والمهمّشين ومن أجل المساواة بين الدول والتزام حقوق الإنسان.
البابا لاوون الرابع عشر ملمّ بالسياسة الدوليّة، خلافاً لما يروَّج، وإن كان الشأن الرعويّ حاضراً في اهتماماته.
يأتي البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان حاملاً إرث أسلافه ووزنات دعمهم بلا مقابل.
بذلك يستكمل مسار من سبقه لتأكيد مركزيّة لبنان في اهتمامات الكرسيّ الرسوليّ بمعزل عن أزمات العالم
أربعة تقاطعات
تتقاطع محاور أربعة بين لبنان والكرسيّ الرسوليّ:
1- استقرار البلاد في إطار السيادة والحرّية والتعدّديّة وكرامة الإنسان.
2- الانفتاح الدينيّ في سياق “الأخوّة الإنسانيّة” التي باتت وثيقة فاتيكانيّة ملزمة، أعلنها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر في أبو ظبي في شباط 2019، وتبعتها زيارة البابا للعراق ولقاؤه السيّد علي السيستاني، وصولاً إلى مبادرة الفاتيكان إلى حمل الأمم المتّحدة على إعلان يوم عالميّ للأخوّة الإنسانيّة.
3- الدور المسكونيّ للبنان في التقارب بين المسيحيّين الذي يوليه الفاتيكان أهميّة كبرى منذ مجمع الفاتيكان الثاني.
يأتي البابا إلى لبنان بعد الاحتفال بمرور 1,700 سنة على مجمع نيقيا الجامع بين المسيحيّين.
4- السلام المنشود في الشرق الأوسط، علماً أنّ الفاتيكان يدعو إلى “حلّ الدولتين للشعبين”، كما ذكر الكاردينال بارولين غير مرّة.
لم تخلُ علاقات الفاتيكان مع إسرائيل في السنوات الأخيرة من التوتّر، وظلّ الفاتيكان على مواقفه الداعية إلى نبذ العنف والتطرّف.
جدول أعمال وازن
جدول أعمال وازن يحمله البابا لاوون الرابع عشر بشقّيه الكنسيّ والوطنيّ، وللاثنين مرتبة واحدة في اهتمام الكرسيّ الرسوليّ.
إلّا أنّ المطلوب في لبنان، دولة وكنيسة، الانتقال من دور المتلقّي إلى المبادرة المجدية بمسؤوليّة واتّزان.
ليست إنجازات الماضي بديلاً عن انتظارات المستقبل.
في المقابل، يحضر استعداد الفاتيكان الدائم للمساعدة بكلّ الوسائل، ومنها العمل الدبلوماسيّ الفاعل بلا ضجيج أو إعلام.
صحيح أنّ الفاتيكان لا يملك دبّابات، على حدّ قول ستالين، إلّا أنّه يملك شجاعة الثبات دفاعاً عن القيم الأخلاقيّة والعدالة والمساواة والانفتاح الحرّ صوناً لكرامة الإنسان في أيّ مكان.
كلمة الفاتيكان مسموعة في المحافل الدوليّة لأنّها نابعة من القيم والمبادىء لا المصالح الضيّقة.
لكن بقدر ما يكون الزرع وفيراً تستفيض الوزنات.
من استثمر ما عنده من خير زاد خيره.
الختام من إنجيل متّى: “من له يُعطى ويزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه”.