الميكانيزم العسكري لا المدني
تعود الآلية الأمنية إلى الواجهة في لبنان بصيغة عسكرية بحتة، من دون جناحها المدني، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ومع تصاعد الحديث عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما شمالي الليطاني.
هذه العودة تحمل دلالات سياسية عميقة تتصل بموقع لبنان في خارطة التوازنات الإقليمية، وبقدرة مؤسساته على الإمساك بقرارها الأمني في ظل واقع مالي وعسكري مأزوم.
الآلية المشار إليها ترتبط عملياً بالإطار التنفيذي للقرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي رقم القرار 1701، الذي أنهى حرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل، ونصّ على تعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتنسيق مع اليونيفيل.
إلا أن إعادة تفعيلها اليوم، بصيغة عسكرية فقط ووفق روزنامة أميركية واضحة المعالم، توحي بأن المجتمع الدولي يتجه إلى مقاربة أمنية مباشرة، تتجاوز النقاش السياسي الداخلي حول الاستراتيجية الدفاعية أو مستقبل سلاح المقاومة.
التحرك وفق إيقاع أميركي يعني عملياً أن واشنطن تمسك بساعة التنفيذ، سواء في ما يتعلق بانتشار الجيش أو بتعزيز آليات المراقبة والتنسيق.
الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة: الالتزام بخارطة طريق أمنية ذات سقف زمني محدد، في مقابل وعود بالدعم والمساندة، من دون أن يقترن ذلك بضمانات سياسية واضحة لوقف الخروقات الإسرائيلية أو التوصل إلى تفاهم أشمل يعالج جذور الأزمة.
في المقابل، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية يطرح إشكالية جوهرية.
فمن الصعب مطالبة لبنان بتشديد إجراءات حصر السلاح وضبط الحدود، فيما الاعتداءات قائمة، والخروقات الجوية والبرية لم تتوقف.
هذا الواقع يضعف صدقية أي التزام دولي متوازن، ويحوّل الضغط إلى اتجاه واحد، ما يعقّد مهمة الدولة ويجعلها تبدو وكأنها تتحمل منفردة تبعات خلل أمني ذي طبيعة إقليمية.
أما على المستوى الداخلي، فإن تكليف الجيش اللبناني بمهمة توسيع نطاق حصرية السلاح شمالي الليطاني يواجه تحديات واقعية.
المؤسسة العسكرية تعاني منذ سنوات من نقص في التمويل والتجهيز والعديد، نتيجة الانهيار المالي.
وأي انتشار إضافي واسع يتطلب دعماً لوجستياً ثابتاً، وغطاءً سياسياً داخلياً جامعاً، وتحصيناً معنوياً للمؤسسة.
في السياق، تبدو عودة “الميكانيزم” عسكرياً من دون جناحها المدني مؤشراً إلى أن لبنان يُدار، في هذه المرحلة، كملف أمني عاجل لا كقضية سيادية متكاملة.
لبنان اليوم أمام اختبار مزدوج: اختبار قدرته على تحويل الضغط الدولي إلى فرصة لتعزيز مؤسساته العسكرية وترسيخ سيادته، واختبار مدى استعداد المجتمع الدولي للاقتراب من مقاربة متوازنة لا تكتفي بالمطالب الأمنية، بل تواكبها بضمانات فعلية لوقف الاعتداءات وترسيخ الاستقرار.
(بقلم أنطوان فضّول)