ترامب وغرينلاند وصراع المصالح في القطب الشمالي

كتب أنطوان فضّول:
طرح الرئيس دونالد ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع 2025، مسألة امتلاك غرينلاند، بعد أن كان أُثارها للمرة الأولى خلال ولايته السابقة في 2019.
اتخذ الطرح الجديد طابعًا أكثر تنظيمًا، تمثّل في تعيين موفد خاص، وفي تصريحات تؤكد أهمية الجزيرة للأمن القومي الأميركي، والتهظيد بضغوط سياسية أو اقتصادية.
تقع غرينلاند بين أميركا الشمالية وأوروبا، وتمتد في الدائرة القطبية الشمالية، ما يجعلها أكبر جزيرة في العالم مساحةً.
يضعها موقعها على خط تماس مباشر مع طرق الملاحة القطبية المحتملة، وعلى مسافة قريبة من السواحل الكندية والروسيّة، كما يجعلها نقطة ارتكاز للتحكم في شمال المحيط الأطلسي والمجال الجوي والبحري المحيط به.
تُعد غرينلاند جزءًا من الحزام الدفاعي الشمالي لأميركا الشمالية، وهو ما يفسّر الاهتمام الأميركي المبكر بها منذ الحرب الباردة.
استراتيجيًا، توفّر غرينلاند ميزات عسكرية وأمنية بالغة الأهمية، أبرزها قدرتها على استضافة أنظمة إنذار مبكر ورادارات بعيدة المدى لرصد الصواريخ العابرة للقارات والتحركات الجوية والبحرية في القطب الشمالي.
تُشغّل الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن الماضي قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمال الجزيرة، والتي تُعد عنصرًا أساسيًا في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية وفي مراقبة الفضاء.
ترى واشنطن أن السيطرة أو النفوذ الأوسع على الجزيرة يعزّز قدرتها على مواجهة أي اختراق روسي أو صيني محتمل في المنطقة القطبية.
تاريخيًا، كانت غرينلاند موضع اهتمام القوى الكبرى منذ القرن التاسع عشر. فقد خضعت للسيادة الدنماركية رسميًا منذ العام 1814، ثم ازدادت أهميتها خلال الحرب العالمية الثانية عندما تولّت الولايات المتحدة حمايتها بعد احتلال ألمانيا للدنمارك.
في 1946، عرضت واشنطن على كوبنهاغن شراء غرينلاند مقابل 100 مليون دولار، وهو عرض رُفض في حينه.
في العام 1979 حصلت غرينلاند على حكم ذاتي موسّع، تعزّز في العام 2009، مع احتفاظ الدنمارك بالدفاع والسياسة الخارجية.
ترتكز المقاربة الأميركية الحالية، وفق تصريحات ترامب ومسؤولين في إدارته، على اعتبارات أمنية مرتبطة بتزايد النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي. وتشير واشنطن إلى تعزيز موسكو وبكين نفوذهما في المنطقة، سواء عبر القواعد العسكرية أو الأساطيل أو الممرات البحرية الناشئة، ما تعتبره تحديًا مباشرًا لتوازن القوى في الشمال.
وتبرز غرينلاند كمنطقة غنية بالموارد الطبيعية، والمعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة والأنظمة الدفاعية. ويأتي الاهتمام الأميركي بهذه الموارد في سياق تقليص الاعتماد على الصين، التي تهيمن على نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي لهذه المعادن.
غير أن استثمار هذه الثروات يواجه قيودًا محلية، أبرزها القانون الذي أقرّ العام 2021 ويمنع تعدين اليورانيوم.
كما يكتسب الملف بعدًا إضافيًا مع تسارع تأثيرات التغير المناخي، حيث أدى ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى زيادة الاهتمام بالممرات البحرية الشمالية، التي قد تتحول إلى طرق تجارية.
وتعتبر الولايات المتحدة أن غرينلاند تمثل نقطة محورية في مراقبة هذه الممرات وتأمين مصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، ترفض الدنمارك وسلطات غرينلاند أي طرح يتعلق ببيع الجزيرة أو ضمها. وأكدت الحكومة الدنماركية مرارًا أن غرينلاند ليست للبيع، فيما شددت القيادة المحلية في الجزيرة على حق سكانها في تقرير مصيرهم.
تعكس هذه المواقف تمسكًا بالسيادة، مقابل استمرار التعاون الدفاعي القائم ضمن إطار حلف شمال الأطلسي.
يندرج الاهتمام الأميركي المتجدد بغرينلاند ضمن سياق أوسع من التنافس الدولي في القطب الشمالي، حيث تتقاطع الجغرافيا والأمن والموارد والتغير المناخي.
باتت المناطق القطبية عنصرًا فاعلًا في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على النظام الدولي.
الثلاثاء (6/1/2026)