وحدة السّاحات: تحالفات هجينة استغلّتها إسرائيل

بقلم د. فريد الياس الخازن
وحدة الساحات مفهوم جديد نسبيّاً في العمل السياسي والعسكريّ الإقليمي، وقد ظهر تدريجاً بالتلازم مع الحاجات والإمكانات.
شكّلت حرب 2006 بين “الحزب” وإسرائيل محطّة فاصلة مع اعتقاد ساد في أوساط “الحزب” وسواه أنّ إسرائيل مُنيت بهزيمة لا قيامة لها منها.
إلى ذلك، فازت “حماس” بالانتخابات الفلسطينية وسيطرت على غزّة وباتت أكثر قدرة على التحرّك بحرّية في الداخل ومع الخارج.
هكذا نشأت ركيزتا وحدة الساحات بين “الحزب” وحركة حماس بعدما كانت العلاقة بينهما قد توطّدت منذ أن أبعدت إسرائيل قادة “حماس” والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان أواخر عام 1992.
القيادة المركزيّة للساحة المشتركة تولّتها إيران، وكانت سوريا صلة الوصل الفاعلة بين طهران و”الحزب”، ومن لبنان يُستكمل الربط مع “حماس” وسواها في فلسطين.
هكذا استطاعت القيادة الإيرانيّة بركائزها الثلاث، الدينية والسياسية والعسكرية، أن تجمع بين السنّة والشيعة في بعض دول المنطقة بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وسرعان ما توسّع نطاق الساحات ليضمّ العراق، حيث لإيران نفوذ واسع، واليمن حيث الحرب مشتعلة والتدخّلات الخارجيّة قائمة.
إيران المستفيد الأكبر؟ على الجانب الآخر، أدركت إسرائيل أنّ المواجهة المرتقبة مداها أوسع ممّا سبق.
لم تتأخّر في السعي إلى تمتين وحدة مقابلة مع أميركا للتصدّي لِما بات يُعرف بمحور الممانعة.
ومع المحورين المتقابلين في ساحات مفتوحة، لا بدّ أن يأتي الصدام في التوقيت الملائم.
أصبح “الحزب”، نواة وحدة الساحات ومحرّكها، القوّة العسكريّة الحاسمة في لبنان ما بعد الحرب.
ولم يكن ذلك متاحاً إلّا بعد مواجهة عسكريّة مع حركة أمل أواخر الثمانينيّات ومع سوريا لاحقاً، إلى أن تمّت التسوية بين “أمل” و”الحزب” برعاية إيرانيّة- سوريّة لاقتسام النفوذ والمغانم، ومع سوريا بعد تثبيت التوافق بين دمشق وطهران على دور “الحزب” العسكريّ والسياسيّ في الجنوب ولبنان.
ساهمت صيغة الداخل هذه في تعزيز وحدة الأهداف بين سوريا وإيران في لبنان والعراق وفلسطين.
إلّا أنّ الترجمة العمليّة في لبنان أوجبت رسم خطوط فصل مع الطرف الأكثر نفوذاً في السياسة والاقتصاد خارج البيئة الشيعية، الرئيس رفيق الحريري المدعوم من السعوديّة.
أمّا التعاون السوريّ-السعوديّ في لبنان فشهد مراحل صعود وهبوط لأسباب متعدّدة، إلى أن حصل الاشتباك السياسي بين الحريري وإميل لحّود المنتخَب رئيساً بدعم من دمشق.
في المحصّلة، جاءت المعادلة لتلبّي طموحات الأطراف المعنيّة: مواجهات مسلّحة بيد “الحزب” في الجنوب، وإيهام الرئيس الحريري بأنّه طليق اليدين في الشؤون الاقتصاديّة، بينما سوريا تخوض الحرب مع إسرائيل من لبنان، والمستفيد الأبرز إيران في لبنان والإقليم.
تواصلت المواجهات فاستطاع “الحزب” أن يجبر إسرائيل على الانسحاب من لبنان عام 2000.
وجاءت حرب العراق بعد الاجتياح الأميركي في 2003 لتضع سوريا في موقع بالغ الصعوبة.
انسحبت سوريا من لبنان في 2005 ظنّاً منها أنّ الهدنة ممكنة مع واشنطن على رغم الحرب المتفاقمة في العراق.
أعادت حرب 2006 وتداعياتها خلط الأوراق في ما يخصّ وحدة الساحات، لكنّ هذه المرّة بالاتّجاه المعاكس: إسرائيل بمواجهة إيران و”الحزب” والحلفاء.
وفي ظلّ الهدوء الظرفيّ بعد 2006 استعدّ كلّ طرف للحرب الآتية.
انخرط “الحزب في الحرب السوريّة وبات الجنوب تفصيلاً، وساد الاعتقاد أنّ “توازن الرعب” كفيل بلجم المغامرة الإسرائيلية.
معادلتان مختلفتان تجدر الإشارة إلى أنّ الوحدة ليست دخيلة في المجال الإقليميّ، لا سيما لجهة مضمونها القوميّ العربيّ المرتبط بالناصريّة وحزب البعث في زمن مضى.
وحملت مشروعاً سياسيّاً تمهيداً للتحرير، ولم تحمل لواء العمل العسكري المشترك إلّا بعد هزيمة 1967.
والأهمّ أنّ الوحدة القومية بكلّ تجلّياتها كانت حصراً بيد الدول وحكّامها، أصحاب القرار النافذ في الداخل وتجاه الخارج.
هذا في الماضي، وأمّا اليوم وبعد “طوفان الأقصى” تعاملت إسرائيل مع وحدة الساحات كأمر واقع سرعان ما جيّرته لمصلحتها.
انحصر الالتزام الإيرانيّ والسوريّ بالساحة الواحدة عبر دعم الحلفاء المحليّين وليس بالمشاركة العسكريّة المباشرة.
في المقابل، تعاملت إسرائيل مع حربَي غزّة ولبنان كساحة واحدة جامعها إيران.
على هذا الأساس خاضت إسرائيل الحرب على جبهتين: بالسلاح المباشر في الحرب المستجدّة في غزّة، وبالتكنولوجيا المتطوّرة في لبنان، ثمّ بالحرب الموضعيّة، خلافاً لحروبها السابقة في لبنان.
في غزّة قتل ودمار بلا حدود، وفي لبنان حدود أوجبها التعامل المفترَض مع الدولة المولجة تنفيذ القرار الأمميّ 1701.
هكذا اختلفت معادلة غزّة عن معادلة لبنان، وإن كان جامعهما الساحة الواحدة.
أمّا اليوم فإنّ الفصل بين الساحتين والمحورين غاية يسعى إليها لبنان، بينما هي غير ذلك في حسابات إسرائيل وسياسة واشنطن التي رفعت لواء محاربة الإرهاب منذ سنوات.
ساحات حرب واحدة ومتبدّلة في آن، تستغلّها إسرائيل على حساب مريديها وتتعامل معها أميركا خدمة لمصالحها.