الحرب الأمريكية – الإيرانية والفاتورة الخليجية
كتب أنطوان فضّول:
رغم أنها لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وجدت دول الخليج نفسها في قلب العاصفة التي أحدثتها المواجهة.
خلال أشهر الحرب، تعرضت اقتصادات الخليج لضغوط غير مسبوقة نتيجة اضطراب حركة السفن وارتفاع المخاطر الأمنية في مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان الرئيس لصادرات النفط والغاز في المنطقة.
أدى تراجع حركة الناقلات وارتفاع تكاليف التأمين البحري إلى زيادة الأعباء على الحكومات والشركات، فيما شهدت الأسواق حالة من القلق انعكست على الاستثمارات والتجارة وأسعار الأصول المالية.
وكان قطاع الطاقة الأكثر تأثراً، إذ واجهت دول الخليج تحديات كبيرة في تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
وتأثرت قطر والكويت والبحرين بسبب اعتمادها الكبير على مضيق هرمز في تصدير الغاز الطبيعي المسال، بينما تمكنت السعودية والإمارات من تخفيف جزء من الأضرار عبر الاستفادة من خطوط أنابيب وموانئ بديلة خارج نطاق المضيق.
مع ذلك، تكبّدت جميعًا خسائر مالية ضخمة قدرت بعشرات المليارات من الدولارات.
كما تأثرت حركة التجارة الإقليمية والدولية بشكل ملحوظ، وتراجعت أنشطة بعض الموانئ وارتفعت كلفة الواردات نتيجة المخاطر الأمنية ورسوم الشحن الإضافية.
ما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات لدعم الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على تدفق الإمدادات الأساسية.
واضطرت دول الخليج إلى زيادة إنفاقها العسكري بصورة كبيرة لتعزيز حماية المنشآت النفطية والموانئ والمطارات والبنى التحتية الحيوية.
وشملت هذه الإجراءات نشر أنظمة دفاعية إضافية ورفع مستويات الجاهزية الأمنية لمواجهة مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما أضاف أعباء مالية جديدة على الموازنات العامة.
لم تقتصر التداعيات على قطاعات الطاقة والتجارة والدفاع، بل امتدت إلى الأسواق المالية والاستثمارية.
فقد شهدت البورصات الخليجية فترات من التراجع والتقلب الحاد مع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق الحرب، بينما فضّل عدد من المستثمرين تأجيل مشاريعهم أو إعادة تقييم خططهم التوسعية في المنطقة.
كما تأثرت قطاعات الطيران والسياحة نتيجة إلغاء بعض الرحلات وتراجع حركة السفر خلال ذروة الأزمة.
رغم حجم التحديات، تمكنت دول الخليج من الحد من الآثار الأكثر خطورة عبر حزمة من الإجراءات السريعة شملت استخدام مسارات تصدير بديلة، وضخ السيولة في الأسواق، والاستفادة من الاحتياطيات المالية والصناديق السيادية، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي مع الشركاء الدوليين.
ساهمت هذه الخطوات في الحفاظ على قدر من الاستقرار ومنع تحول الأزمة إلى اضطراب اقتصادي طويل الأمد.
الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تكبدتها دول الخليج خلال الحرب تخطّت عتبة 300 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكثر الأزمات تكلفة في تاريخ المنطقة الحديث.
لم تقتصر فاتورة الحرب على الخسائر الاقتصادية والتجارية، بل تحملت دول الخليج تكاليف عسكرية باهظة نتيجة عمليات الاعتراض والدفاع الجوي.
خلال أشهر المواجهة تعرضت دول الخليج لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت الطاقة والمطارات والقواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ما استدعى تشغيل أنظمة الدفاع الجوي بشكل مكثف وعلى مدار الساعة.
أظهرت تقارير ميدانية أن الإمارات والكويت والسعودية والبحرين واجهت موجات كبيرة من الهجمات الصاروخية والمسيرات، حيث جرى اعتراض معظمها بواسطة أنظمة دفاع متطورة مرتفعة التكلفة.
تشير تقديرات مراكز أبحاث عسكرية إلى أن كلفة الصواريخ الاعتراضية والعمليات الدفاعية وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة ورفع الجاهزية العسكرية بلغت عشرات المليارات من الدولارات خلال فترة الحرب، إضافة إلى الحاجة لتعويض مخزونات الذخائر والصواريخ الدفاعية التي استُهلكت بوتيرة غير مسبوقة.
كما دفعت الأزمة دول الخليج إلى تسريع خطط شراء أنظمة دفاع جوي ورادارات إضافية وتعزيز التكامل الدفاعي الإقليمي، الأمر الذي يُتوقع أن يرفع الإنفاق العسكري الخليجي خلال السنوات المقبلة بمبالغ قد تتجاوز 50 مليار دولار فوق الخطط المقررة سابقاً.
استثمرت الولايات المتحدة في الخطر المحدق بأمن دول الخليج فاستنزفت ميزانياتها واستأثرت بمغانم الحرب عبر وضع الدول الخليجية بين مطرقة الاعتداءات الايرانية وسندان التكلفة الباهظة لتأمين أمنها عبر دفع الفاتورة غير المسبوقة عن الأسطول الأميركي الضخم وعن أنظمة الدفاع والتسلح التي أجبرت على شرائها.
الجمعة (19/6/2026)