نحو تفاهمات لبنانيّة سوريّة

كتب أنطوان فضّول
شكّلت زيارة الوزير طارق متري إلى دمشق ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع فرصة لإعادة إحياء قناة الحوار الرسمي بين بيروت ودمشق بعد فترة من الجمود، من موقع الحاجة إلى تنظيم العلاقة مع سوريا وتطويرها، بما يتناسب مع مصالح الطرفين واستقرار المنطقة.
تناول اللقاء ترميم الثقة السياسية بين البلدين، وهو ما عبّر عنه الجانبان بوضوح من خلال التأكيد على ضرورة فتح صفحة جديدة تعتمد الواقعية والمسؤولية بعيداً عن إرث التوتر السابق.
وتم التطرق إلى ملف الحدود وما يحمله من حساسية أمنية واقتصادية، إذ ناقش الطرفان آليات الحد من التهريب وتعزيز التنسيق الميداني بما يحفظ السيادة اللبنانية ويضمن ضبط المعابر المشتركة.
كما حملت الزيارة بعداً إنسانياً وقانونياً بارزاً، إذ أثير موضوع الموقوفين السوريين في لبنان وقضية المفقودين اللبنانيين في سوريا، في محاولة لإيجاد مقاربة قانونية مشتركة قد تمهّد لحلول تدريجية تعالج الجراح المتراكمة في هذا الملف الشائك.
شكّل موضوع اللاجئين السوريين محوراً آخر للنقاش، حيث جرى عرض مقترحات لتنظيم عودتهم وفق آلية “منظمة” تراعي قدرات الدولة اللبنانية وتنسجم مع الظروف القائمة داخل سوريا، من دون مجازفة بسلامتهم أو تجاهل التعقيدات الدولية المرتبطة بهذا الملف.
في موازاة ذلك، تضمنت المحادثات جوانب قضائية وإدارية مرتبطة بالتعاون الثنائي، خصوصاً عقب لقاء متري مع وزير العدل السوري، ما يعكس توجهاً لبناء شبكة تعاون قانوني قد تساعد في تسوية ملفات معلّقة وتعزيز القنوات الرسمية بين المؤسستين القضائيتين.
برز أيضاً البعد الدبلوماسي الأوسع للزيارة، إذ يُنظر إليها كجزء من مسار إقليمي جديد تسعى خلاله بيروت ودمشق إلى ترتيب علاقاتهما بما يتلاءم مع التحولات السياسية في المنطقة، وبما يعزّز موقعهما في التوازنات المتبدّلة.
تعكس الزيارة إدراكاً لبنانياً للحاجة إلى إعادة انتظام العلاقة مع سوريا في ظل التطورات المتسارعة، إضافة إلى رغبة سورية في تثبيت صورة قيادتها الجديدة كسلطة منفتحة على جيرانها وقادرة على إدارة الملفات المعقدة.
في الوقت نفسه، لا تخلو الخطوة من أبعاد داخلية، إذ قد تشكل محاولة لبنانية لإظهار تقدم دبلوماسي يعزز موقع الحكومة في مرحلة حساسة.
بالرغم من الإيجابية التي رافقت اللقاء، تبقى تحديات عدة قائمة، من بينها محدودية الثقة التاريخية، والانقسام اللبناني حول منهجية التواصل مع دمشق، والضغوط الدولية التي قد تفرض سقوفاً معينة لهذا التقارب.
لكن الزيارة في كل الأحوال حملت مؤشرات واضحة إلى أن البلدين دخلا مرحلة اختبار جدّي لإعادة بناء العلاقة عبر سلسلة من الملفات المفتوحة التي ستتطلب وقتاً وإرادة سياسية كي تتحول إلى خطوات عملية.