انفتاح سعودي على لبنان: خلفيّاته وأبعاده
كتب أنطوان فضّول
يشكّل التحوّل السريع في الموقف السعودي من الملف اللبناني إحدى أبرز المفاجآت.
فبعد سنوات من الفتور والابتعاد الحذر، بدا أنّ الرياض قرّرت فتح نافذة واسعة على بيروت، مترافقة مع إشارات دعم مالي وإنمائي وسياسي واضحة، ما منح العهد برئاسة جوزاف عون زخماً خارجياً غير مسبوق منذ سنوات.
هذا التحوّل ليس وليد المصادفة.
فالسعودية تتعاطى اليوم مع موقع لبنان في سياق مشهد إقليمي متغيّر، يقوم على تهدئة الجبهات، وإعادة ضبط التوازنات، وتعزيز حضورها في الملفات العربية التي تركت فراغاً فيها خلال العقد الماضي.
وقد وجدت في انتخاب جوزاف عون فرصة لاستعادة دورها التقليدي عبر التعامل مع سلطة تتمتع بصورة توافقية وقدرة على التواصل مع مختلف القوى الداخلية، من دون أن تكون أسيرة محور أو جهة.
تبدو دوافع الانفتاح مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية: الأول، رغبة الرياض في تثبيت الاستقرار في لبنان لقطع الطريق على أي انفجار جديد قد ينعكس سلباً على المنطقة.
الثاني، السعي إلى دعم مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش، ضمن مقاربة تعتبر أنّ تحصين الشرعية الرسمية هو المدخل الوحيد لإعادة بناء الاقتصاد وإعادة الثقة.
أما العامل الثالث، فهو إدراك المملكة أنّ الساحة اللبنانية تتحرّك بسرعة نحو مفترق حساس، وأنّ اللحظة مناسبة للتأثير في مسار الإصلاح وإعادة التموضع.
أمّا على مستوى الدرجات، فقد بدأ الانفتاح بخطوات سياسية ودبلوماسية لافتة، تبعتها قنوات دعم مالي وتنموي مباشرة وغير مباشرة، وفتح الباب أمام استثمارات محتملة.
ويدل ذلك على أنّ الرياض لا تتعامل مع لبنان بمنطق المساعدات الظرفية، بل بمنطق إعادة بناء علاقة استراتيجية جديدة.
هذا المسار فتح آفاقاً واعدة أمام العهد الجديد، إذ تحوّل المشهد فجأة من قطيعة غير معلنة إلى تواصل يومي تقريباً، ومن جفاف ديبلوماسي إلى حركة دعم متدفّقة.
ويعكس ذلك رهاناً سعودياً على إمكان استعادة لبنان عافيته إذا توفّر الحد الأدنى من الاستقرار والإدارة الرشيدة.
يشكّل الانفتاح السعودي الراهن ظاهرة سياسية مستجدّة تحمل في طياتها فرصة للبنان كي يستعيد جزءاً من موقعه العربي، وفرصة للعهد كي يترجم هذا الزخم في خطوات إصلاحية جدّية.
وما جرى لم يكن انعطافة شكلية، بل بداية صفحة جديدة من دعم للاستقرار والبناء، وإعادة وصل ما انقطع لسنوات طويلة.