الخطوة التالية على رقعة شطرنج
لا يمكن عزل الحرب المفتوحة بين باكستان وأفغانستان عن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران من حيث الأسباب المباشرة، ومن حيث البعد الاستراتيجي الأوسع للصراع الدولي في آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
التوتر الباكستاني الأفغاني يرتبط أساساً بملف الحدود التاريخي (خط ديورند)، وبقضايا الأمن العابر للحدود والممرات التجارية.
إلا أن أي تصعيد كبير في هذه الجبهة ينعكس حكماً على التوازنات المحيطة بإيران، وعلى حسابات واشنطن في المنطقة، خصوصاً إذا تحولت أفغانستان إلى ساحة فوضى مفتوحة أو إلى منصة نفوذ لقوى إقليمية منافسة.
إيران تنظر إلى أفغانستان كعمقٍ أمني شرقي، وهي تتعامل بحذر مع حركة طالبان الأفغانية، محاولةً منع تمدد الجماعات المعادية لها، وفي الوقت نفسه تسعى لمنع واشنطن من إعادة موطئ قدم عسكري قريب من حدودها.
الهند تقف في موقع المراقب الحذر.
تاريخياً، هي أقرب إلى الحكومة الأفغانية السابقة، لكنها اليوم تتعامل ببراغماتية مع سلطات كابول الجديدة، مع إبقاء عيونها على باكستان التي تعتبرها خصمها الاستراتيجي الأول.
أي إضعاف لباكستان داخلياً أو إقليمياً قد يُنظر إليه في نيودلهي كفرصة، لكن من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً أن الهند تحاول في الوقت نفسه تعزيز شراكاتها مع واشنطن وموازنة صعود الصين.
أما إسرائيل فتراقب أي تطور يمس إيران.
بالنسبة لها، الأولوية تبقى منع تمدد النفوذ الإيراني، سواء عبر أذرع إقليمية أو عبر تقارب محتمل مع قوى آسيوية.
أي انشغال إيراني على جبهة شرقية قد يُقرأ في تل أبيب كعامل استنزاف لطهران، لكنه لا يشكل بحد ذاته تحولاً استراتيجياً ما لم يتقاطع مع الملف النووي أو مع تموضع عسكري إيراني جديد.
الصين معنية بشدة بالاستقرار في أفغانستان وباكستان، لا سيما لحماية مشروع "الحزام والطريق" وممر الصين–باكستان الاقتصادي.
بكين تخشى من تسرب التطرف إلى إقليم شينجيانغ، وتفضل احتواء التوتر عبر الوساطات الهادئة، مع تعزيز حضورها الاقتصادي والأمني الناعم.
وهي ترى في أي تصعيد أميركي–إيراني فرصة لتوسيع نفوذها، لكنها لا ترغب في انفجار شامل يهدد طرق التجارة والطاقة.
روسيا تنظر إلى آسيا الوسطى باعتبارها مجالاً حيوياً تقليدياً لها.
هي تتابع بحذر أي اضطراب قد يمتد إلى جمهورياتها الحليفة، وتنسق أمنياً مع طهران وبكين بدرجات متفاوتة.
موسكو لا ترغب بعودة نفوذ أميركي عسكري إلى أفغانستان، لكنها في الوقت نفسه لا تريد فراغاً أمنياً يسمح بتمدّد جماعات متشددة نحو الشمال.
أوروبا تبدو الأبعد جغرافياً والأكثر انشغالاً بأزماتها الداخلية والحرب في أوكرانيا، لكنها معنية بملفات الهجرة والطاقة والإرهاب.
أي انفلات أمني في أفغانستان قد يعيد موجات نزوح جديدة، وأي تصعيد أميركي–إيراني قد يهدد إمدادات الطاقة أو يرفع منسوب التوتر العالمي، ما ينعكس على اقتصادها.
صحيح أنه لا يمكن القول إن ثمة غرفة عمليات واحدة تربط مباشرة بين الجبهة الباكستانية الأفغانية والتوتر الأميركي الإيراني، لكنهما يتحركان ضمن بنية استراتيجية واحدة قوامها إعادة تشكيل موازين القوى في آسيا والشرق الأوسط.
المنطقة بأسرها تشبه رقعة شطرنج مترابطة: حركة في كابول أو إسلام آباد قد لا تكون موجهة إلى واشنطن أو طهران، لكنها تؤثر في حساباتهما، كما أن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يغيّر تموضع اللاعبين الإقليميين، من الهند إلى الصين وروسيا، فيما تحاول أوروبا البقاء خارج المستنقع قدر الإمكان.
(بقم أنطوان فضّول)