تفجّر حدودي أم فجر جديد؟

كتب أنطوان فضّول:
التوغّل الإسرائيلي في بلدة بليدا واغتيال موظّف في بلديتها، حادثة مثّلت تجاوزًا خطيرًا للسيادة اللبنانية.
موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جاء حاسمًا وواضحًا، حين دعا قائد الجيش اللبناني إلى التصدّي لأي انتهاك إسرائيلي للحدود اللبنانية، مؤكدًا أنّ كرامة الوطن وحماية الأرض والناس مسؤولية لا مساومة فيها.
شكّل هذا الموقف غير المسبوق، قنبلة معنوية توازي قنبلة خطاب القسم، فهو يؤسس لتحوّل جوهري في مسار الحكم وتعاطيه مع الحرب الإسرائيلية على لبنان.
لقد حمل الموقف الرئاسي تفويضًا مباشرًا للجيش اللبناني بالتحوّل من جيش مراقبة وحماية إلى جيش دفاع فاعل عن لبنان، ضمن استراتيجية وطنية متكاملة تعيد رسم دور المؤسسة العسكرية كمرتكز أول للأمن والسيادة.
هذا التطوّر الجديد يُقرأ في سياق تحوّل محوري في مفهوم إدارة الحرب والسلم داخل لبنان.
فالجيش الذي لطالما كان عنوان الانضباط والشرعية، بات اليوم في موقع القيادة الميدانية والإشراف الاستراتيجي على مجمل المعادلة الدفاعية، في إطار قرار وطني جامع يحظى بغطاء سياسي شامل ودعم إقليمي ودولي واضح.
وهنا، تبرز أهمية الرسالة التي أراد لبنان إيصالها إلى الداخل والخارج في آن: إنّ منح الجيش هذا الدور المتقدّم لا يعني الدخول في مرحلة حرب أو التلويح بقرع طبولها، بل هو على العكس تمامًا بداية فجر سلام جديد.
سلام يستمد قوّته من صلابة الدولة وثقة اللبنانيين بمؤسستهم العسكرية، سلام يقوم على الردع لا العدوان، وعلى الطمأنينة لا التصعيد، في ظلّ توازن دقيق بين حق الدفاع عن النفس وواجب الحفاظ على الاستقرار.
لاقى هذا التوجّه مباركة ضمنية عربية وإقليمية ودولية، تمثّلت بدعم مصري واضح، وبتأييد من الجامعة العربية، وبمواقف أميركية متقدّمة تشدّد على ضرورة تثبيت الاستقرار في لبنان وتمكين جيشه من أداء دوره ضمن القرار 1701 وتحت مظلة الشرعية الدولية.
هذا الإجماع غير المعلن يعكس قناعة دولية بأنّ الجيش اللبناني هو الضمانة الوحيدة لاستمرار السلم الأهلي وصون الحدود الجنوبية من منزلقات الفوضى والمغامرات.
يقف لبنان اليوم أمام تحوّل تاريخي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها العسكرية، ويؤسّس لمرحلة من الهدوء المطمئن المحروس بالسهر الوطني.
المشهد اللبناني لا يسير نحو حرب، بل نحو توازن سلام، سلام يصنعه حضور الجيش لا غيابه، وتفرضه هيبة الدولة لا هشاشتها، في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى يقين بأنّ أمنهم في أيدٍ أمينة وساهرة على حدود الوطن.