الحبر الأعظم في تركيا قبل لبنان
كتب أنطوان فضّول
تستعد تركيا لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر في أواخر تشرين الثاني 2025 في زيارة تسبق زيارته إلى لبنان، يبدأها من إسطنبول، أو القسطنطينية القديمة، عبر التوقف عند الجامع الأزرق، والوقوف أمام آيا صوفيا، قبل اللقاء المنتظر مع البطريرك المسكوني برثلماوس، في خطوة تشير إلى إرادة الفاتيكان تعزيز الحوار المسكوني بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية.
من إسطنبول، يتجه البابا إلى مدينة إزنيك – نيقيا القديمة – حيث انعقد أول مجمع مسكوني في العام 325، وفيه صيغت أسس عقيدة الثالوث الأقدس، في خطوة أراد منها إعادة وصل الكنيسة بجذورها الأولى. كما يقصد كنيسة مور أفرام التي افتُتحت في العام 2023 كأول كنيسة تُبنى في تركيا منذ أكثر من مئة عام، في خطوة تعبّر عن الأمل بتجدد الحياة المسيحية في الشرق.
سياسيًا، سيجري البابا محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تتناول دور تركيا الإقليمي، ومسار الحروب في غزة والشرق الأوسط، إضافة إلى ملف الوساطة في النزاع الروسي–الأوكراني، حيث يوجّه البابا دعوة لتعزيز ثقافة السلام ومنهجية الحوار، في وقت تزداد الحاجة إلى صوت روحي قادر على ملامسة ما أخفقت الدبلوماسية التقليدية في تحقيقه.
تأتي الزيارة في سياق مسار طويل من الحوار بين الكرسي الرسولي والعالم الإسلامي، وقد اختار البابا تركيا تحديدًا لما تمثله من نقطة تماس حضاري بين الشرق والغرب، ولرمزيتها في تاريخ الكنائس الشرقية وفي التاريخ الإسلامي وفي لقاءات التقارب بين الأديان. وهي معبر استراتيجي أيضًا نظرًا إلى موقعها المحوري في الملفات الإقليمية المرتبطة بسوريا والعراق والبحر المتوسط. وفي السياق، من المتوقع أن تتطرّق مباحثات البابا مع المسؤولين الأتراك إلى قضايا الهجرة، وأوضاع اللاجئين، ومستقبل الأقليات الدينية، ودور تركيا في الحد من التوترات الدينية والسياسية. ومع اقتراب زيارته للبنان، تبدو أنقرة محطة ضرورية لإرساء توازنات إقليمية تسهّل مناخ التهدئة المطلوبة في منطقة شديدة الاضطراب.
يُنظر إلى الزيارة كرسالة دعم للوجود المسيحي في الشرق، وتشجيع على حماية التنوع وصون المجتمعات التي تراجعت أعدادها بفعل الحروب والهجرة. وتُعدّ فرصة لإعادة تفعيل دور تركيا كجسر بين أوروبا والعالم العربي. كما تعكس اهتمامًا فاتيكانيًا خاصًا بإعادة توظيف القوة المعنوية للكرسي الرسولي في النزاعات التي استعصت على الحلول التقليدية. وهي تأتي في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية لإعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط، ما يمنح تركيا موقعًا دبلوماسيًا متقدمًا على تقاطع الأجندات الدولية.
يضع البابا زيارته في إطار ترسيخ ثقافة السلام وتثبيت قيم الحوار والعيش المشترك. ويُنتظر أن تشكل محطة تركيا مقدمة طبيعية لزيارته إلى لبنان، البلد الذي يمثل مختبرًا حيًا للتعددية ومرآةً لتحديات المنطقة، في لحظة دقيقة تحتاج فيها المنطقة إلى صوت روحي يوازن صخب السياسة ويعيد الاعتبار لنهج المصالحة والسلام.