الكلام الرئيس

كتب أنطوان فضّول:
تبدو تصريحات الرئيس جوزاف عون في مقابلته مع CNN أقرب إلى إعلان رؤية متكاملة للمرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة.
فالرئيس لم يكتفِ بتوجيه انتقادات مباشرة إلى الشيخ نعيم قاسم أو إيران، بل رسم خطوطاً سياسية جديدة وتوجهاً نحو إعادة تثبيت دور الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في القضايا السيادية والاستراتيجية.
عندما يؤكد أن نعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني وأن «الشعب اللبناني ليس شعبك»، فهو يوجه من خلاله رسالة إلى كل جهة حزبية أو عسكرية تفكر في احتكار التحدث باسم اللبنانيين أو تقرير مصيرهم.
في ذلك قرار رئاسي بفصل الدولة عن خيارات القوى المسلحة وإعادة التأكيد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً في يد المؤسسات الشرعية.
أما رسالته إلى إيران بأن اللبنانيين يدفعون ثمن مصالحها الخاصة، وما تبعها من دعوة إلى الحرس الثوري الإيراني لإدراك أن لبنان هو وطن اللبنانيين وليس ساحة نفوذ خارجية، فتعكس انتقال الخطاب الرسمي اللبناني إلى مستوى أكثر صراحة في تحميل طهران مسؤولية الأزمات التي عاشها ويعيشها لبنان نتيجة ارتباط الساحة اللبنانية بالصراعات الإقليمية.
في الموازاة، يفتح الرئيس الباب أمام مقاربة مختلفة للعلاقة مع إسرائيل.
فحديثه عن تحقيق اختراق كبير في المفاوضات، وعن إمكانية أن يشكل الاتفاق المرتقب طريقاً نحو سلام عادل ودائم، كلها مؤشرات إلى أن المفاوضات باتت تلامس أسس العلاقة المستقبلية بين البلدين.
كما أن ربطه أي لقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب يوحي بأن الرئاسة اللبنانية لا تستبعد خطوات سياسية كانت حتى وقت قريب خارج دائرة النقاش العلني.
تكشف هذه المواقف مجتمعة عن محاولة لإعادة تموضع لبنان في الإقليم، بعيداً عن منطق المحاور والصراعات المفتوحة، والانتقال نحو مرحلة يكون فيها الاستقرار والتنمية أولوية تتقدم على الحسابات الأيديولوجية والعسكرية.
كما أنها تحمل رسائل مباشرة إلى المجتمع الدولي والدول العربية بأن الدولة اللبنانية مستعدة للانخراط في مشروع استقرار طويل الأمد إذا توافرت الضمانات السياسية والأمنية اللازمة.
إن مقابلة الرئيس جوزاف عون إعلان سياسي متكامل لمرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة قرارها السيادي، وتحيّد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وتنفتح على تسويات كبرى تعيد تموضع لبنان إلى موقعه التاريخي داخل المنظومة الشرق أوسطية.
الجمعة (5/6/2026)