محمد السعودي ومدينة صيدا

في إطار برنامج أعلام من بلاد الأرز، تحيّة شكر وتقدير من أنطوان فضّول إلى المهندس محمد السعودي

رئيس بلدية صيدا.
ولد في مدينة صيدا في 10 آذار 1939.
متأهل من الدكتورة نجوى أزهار ولهما خمسة أولاد: مصطفى، أحمد، حسين، علي، رضا.
أبصر النور في أحضان شاطئ مدينة صيدا، منارة التاريخ البحرية. وأمضى طفولته في ربوعها، تداعب عيناه خيوط الشمس في الآفاق البعيدة، وترصد قوافل الأمواج اللعوب، المتحررة من كل قيود وهي تلاطف الصخور، وتتطاير شظايا، خلف حدود الزمن.
على خطى الموج في صيدا، سار المهندس محمد السعودي مسيرة تُخْتَصَرُ بملحمة عطاء زاخر.
واكب خلال طفولته وفتوته، مرحلة الإنتداب وعاش في جو من تعايش مسيحي إسلامي عميق، وبعد الإستقلال، عاين تداعيات الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وطلائع لجوئهم إلى صيدا والجنوب، بعد تهجيرهم من أرضهم.
تَدَرُّجٌ في العلم، بدأه طالبًا، توزعت دراسته بين مدرسة المقاصد في صيدا القديمة، والكلية الإنجيلية في بيروت 1956. فتلميذًا ضابطًا في المدرسة الحربية لسنة واحدة، بعد نيله البكالوريا. فمهندسًا رائدًا، إكتسب بعامل الزمن، ثقافة وارفة وخبرة واسعة.
قبل نيله الإجازة في الهندسة من جامعة القاهرة، كانت له تجربة في التعليم، بعد استقالته من المدرسة الحربية، حيث عمل أستاذًا مدرّسًا في الكلية العاملية في بيروت لثلاث سنوات، ترك بعدها التعليم والتحق بمدرسة المقاصد في الأشرفية في بيروت، منهيًا دراسته، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويلتحق بكلية الهندسة ويتخرج في السنة 1967، ثم يعود إلى لبنان وينضم إلى شركة اتحاد المقاولين CCC مهندسًا معماريًا.
كانت أولى مهماته إنشاء طريق تربط الأردن بالسعودية على البحر الأحمر لغاية مضائق تيران بالتزامن مع اندلاع حرب 1969، واستيلاء الإسرائيليين على منطقة سيناء.
وشركة CCC هي من أكبر الشركات الدولية، لها الفضل في تنفيذ أكثر المشاريع حيوية في العالم. وقد نجحت في التوسّع في كل اتجاه. وكان للمهندس محمد السعودي الدور الكبير في توسيع هذا النشاط.
من السنة 1969 حتى 1973، عمل في الكويت على بناء مصنع للسماد، وعلى أول مشروع مد خط أنابيب مياه في مدينة الكويت العاصمة. وفي السنة 1973 عاد مجددًا إلى السعودية، إلى منطقة رأس تنورة للعمل في هندسة مشاريع ضخمة حتى السنة 1981، حين اتخذ قراره السفر إلى كندا عوضًا عن العودة إلى لبنان حيث ارتفعت وتيرة الحرب، واحتلت بيروت من الإسرائيليين.
إستوطن مدينة تورنتو وحصل على الجنسية الكندية بعد ثلاث سنوات وبقي في كندا حتى آب 1986 عاد بعدها إلى الرياض في السعودية لاستعادة نشاطه في شركة CCC لغاية السنة 2000، حين استدعي إلى المركز الرئيس للشركة في اليونان للإشراف على كبرى المشاريع التي تتولاها في مختلف أنحاء العالم لاسيما في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي والخليج العربي وإفريقيا. وكان المشروع الخاص في كازاخستان باكورة مشاريع تلك المرحلة.
في مرحلة متقدمة، بدأت إدارة الشركة تسند إليه مهمات في مختلف أنحاء العالم. فأشرف على مشاريع وبعثات ومهمات كبرى أصاب خلالها نجاحًا باهرًا بعدما نجحت سياسته في قلب الموازين لصالح الشركة.
نشاطه في شركة CCC، طيلة هذه السنوات جعله يواكب الحركة العمرانية الحضارية، وفقًا لقناعاته في النمط الهندسي الواجب التنبه له، في زمن الوفرة النفطية وأكسبه خبرة اضافية خصوصًا على مستوى المشاريع الكبرى. لمساته ما زالت ناطقة بوضوح في العديد من المشاريع التي عكست سعة اطلاعه وثقافته ذات الأفق العالمي وموهبته المميزة.
سافر إلى مختلف دول العالم. الأمر الذي أعطاه فرصة الاطلاع على آفاق الحضارة العالمية وبالتالي تدويل أطر تفكيره. كذلك حمل معه إلى لبنان مشاهداته التي حاول أن يطبعها في المشهدية الإنمائية اللبنانية بهدف استنساخ مجتمع لبناني متمدن يواكب العصر في أرقى معالمه. وإذا بالتجربة البلدية تكون الفرصة المؤاتية لتحقيق هذه التطلعات.
بعد عقد من الزمن، عاد إلى مسقط رأسه في صيدا في السنة 2010، مشدودًا بالحالة البائسة التي يعيشها الشاطئ الصيداوي وقد تحوّل إلى مصب لستة مجار للمياه المبتذلة إلى جانب تمدُّد جبل ضخم للنفايات.
في 2010 خاض تجربة الانتخابات البلدية للمرّة الأولى وحاز ثقة أهالي صيدا، وانتخب رئيسًا للبلدية وجُدّد له لدورة ثانية.
بُعَيْد تولّيه رئاسة البلدية، بدأت تظهر في الأفق خطوات عدّة عكست ديناميّة ومصداقية في التعاطي مع الثقة التي منحه إياها أبناء المدينة العريقة.
أطلق برنامجًا إنمائيًا شاملاً يوفّق بين حاجات صيدا وخصوصية موقعها ومستلزمات العصر.
اهتم بترسيخ مفهوم العمل المؤسساتي في مختلف أقسام القصر البلدي. دعم المشاريع والأفكار التي تحمي البيئة وتحفظ المساحة الخضراء وتكافح التلوث والتصحّر والعمران العشوائي غير المنضبط وغير المسؤول.
على الصعيد الإنمائي شيّد معمل معالجة النفايات الفريد من نوعه على امتداد الجغرافيا اللبنانية، كما أقام حاجزًا مائيًا في خطوة متقدمة للتخلص من جبل النفايات ومن ثم إزالته. بنى محطة تكرير لضخ المياه المبتذلة وأنشأ أكبر حديقة على امتداد البحر المتوسط على مساحة 35 ألف متر مربع، غرس فيها 10452 شجرة، وقد أطلق عليها أعضاء المجلس البلدي إسم حديقة محمد السعودي.
كذلك افتتح مستشفى بمنحة من الحكومة التركية، وأنجز المرحلة الأولى من المرفأ التجاري، وأعاد تأهيل الوسط التجاري في المدينة، إلى جانب تشييد مدرسة بتمويل من سلطنة عُمان، وتنفيذ حديقة الشيخ زايد بتبرع من الحكومة الإماراتية، وبناء متحف خاص بمدينة صيدا فوق الحفريات الأثرية. ثم قام بتحرير ربع أراضي المدينة التي كانت قد وُضِعَت شارات عليها، بفعل تخطيط الأوتوستراد، قبل أن يبنى مخيم عين الحلوة ويجمّد المشروع، فأعاد فرز تلك الأراضي وتخطيطها. بالإضافة إلى تنظيف مجرى المياه الشهير المعروف بالقملي، وإعادة نسخ سجلات النفوس وتجديدها، وإقامة سوقين للخضار مع تنظيف الشوارع وترميم القلعة البرية، وتجهيز مكتبة عامة في مبنى البلدية، وتأسيس صندوق التكافل للتبرعات لمساعدة الصيادين والفقراء، ووضع استراتيجية لتنمية مدينة صيدا بمساعدة الجامعة الأميركية. كما أن البلدية بدعم من الجيش اللبناني زرعت حديقة مائية في قاع البحر استقدمت إليها ست دبابات وأربع ناقلات جند وثلاث طائرات قديمة وهيليكوبتر تحولت محجة إلى رواد الغطس والسواح. والبلدية تخطط لهندسة مركب زجاجي خاص يسمح لزوار صيدا بمشاهدة الحديقة المائية وتنوعها البيولوجي.
أما المسار التاريخي الأثري فهو المشروع الذي يحظى بأولوية الإهتمامات في الوقت الحاضر حيث يسعى الرئيس السعودي من خلاله إلى تحويل مدينة صيدا مزارًا للسياحة العالمية.
ينطلق هذا المسار من القلعة البحرية حتى القلعة البرية مخترقًا جغرافية المدينة عبر مواقع عدّة، مرورًا، بعد القلعة البحرية، بخان الفرنج، المبنى القديم الذي كان يستخدمه الفرنسيون في زمن الإنتداب ولا يزال إلى اليوم ملكًا لهم. أما المحطة الثالثة فسوق النجارين ومركز صناعة القبابيب التراثية، والحرف القديمة، والمحطة الرابعة هي القشلة أو مركز الدرك والسجن الأثري قديمًا، وتعمل البلدية على إعادة تأهيله وتحويله مركزًا للحرفيين. المحطة الخامسة قصر عائلة صاصي العريق ثم قصر آل دبانة الفخم فالكنيسة الأورثذكسية فقصر حمود ثم مدرسة عائشة التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وقد تم ترميمها بإشراف جامعة LAU. وفي المسار عينه، الحمام التركي الأثري، بعده متحف الصابون لآل عودة، تلك العائلة الصيداوية النبيلة حيث أن مؤسس بنك عودة، صيداوي المولد، وكان يمتلك بداية مكتبًا للصيرفة، أما أجداده فكانوا يعملون في صناعة الصابون.
في المحطة ما قبل الأخيرة نصل إلى حفريات الفرير حيث سيقام المتحف التاريخي لمدينة صيدا بمنحة من السفارة الإيطالية، لنصل في نهاية المطاف إلى القلعة البرية.
هو مسار سياحي بامتياز، يندر وجود شبيه له في كل مدن العالم. بموازاة هذا المسار السياحي، ساحتان، الأولى ساحة باب السراي والثانية ساحة ضهر المير.
في مدينة يتوّجها التراث المعماري التقليدي اللبناني، وتتوهّج بآثارها الضاربة في الزمن والتي تؤرّج لمآثر الفينيقيين واليونان والرومان والبيزنطيين والعرب والعثمانيين، في بلادنا، ينشط المهندس محمد السعودي لحماية هذا الوجه الحضاري للمدينة وترسيخ موقعها على الخارطة السياحية اللبنانية وداخل الوجدان الإنساني.
(إعداد: أنطوان فضّول)