سد القرعون والمخاطر المحدقة به

كتب أنطوان فضّول: سد القرعون، على نهر الليطاني في البقاع الغربي، واحد من أبرز المشاريع المائية والاستراتيجية في تاريخ لبنان الحديث، وأكبر خزان مائي في البلاد من حيث السعة والأهمية.
بدأت فكرة إنشائه في مرحلة ما بعد الاستقلال ضمن رؤية هدفت إلى استثمار مياه الليطاني في إنتاج الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن المائي، قبل أن ينطلق تنفيذ المشروع في أواخر خمسينيات القرن الماضي ويصبح لاحقاً رمزاً لما عُرف آنذاك بمشاريع “النهضة الإنمائية”.
شكّل السد منذ افتتاحه نقطة تحول في إدارة الموارد المائية اللبنانية، نظراً لقدرته على تخزين مئات ملايين الأمتار المكعبة من المياه، وربطه بين البقاع والجنوب عبر شبكة ريّ وإنتاج كهربائي واسعة.
تكمن أهمية سد القرعون في كونه يتجاوز وظيفة التخزين المائي التقليدية، إذ يشكّل ركناً أساسياً في منظومة الطاقة والزراعة والمياه في لبنان.
يغذّي السد معامل كهرومائية عدة، ويساهم في إنتاج جزء من الكهرباء المولدة من الطاقة المائية، كما يؤمّن مياه الري لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في البقاع والجنوب، ما جعله شرياناً حيوياً للقطاع الزراعي وللأمن الغذائي اللبناني.
كذلك يُنظر إليه كاحتياطي استراتيجي للمياه في بلد يعاني أزمات متكررة في إدارة الموارد المائية، وتراجعاً في معدلات الأمطار، وارتفاعاً في الضغوط المناخية والاقتصادية.
ولأن السد يرتبط مباشرة بالبنية التحتية الحيوية للدولة، اكتسب بعداً استراتيجياً يتجاوز الاقتصاد، إذ إن أي خلل كبير فيه قد ينعكس على الكهرباء والزراعة وإمدادات المياه معاً، فضلاً عن أن موقعه الجغرافي وحجم المياه المخزنة خلفه يجعلان منه منشأة شديدة الحساسية في ظل التوترات الأمنية والعسكرية التي يعيشها لبنان.
تصاعدت المخاوف في الساعات الأخيرة مع اقتراب الغارات الإسرائيلية من محيطه، وسط تحذيرات من أن أي استهداف مباشر للسد قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية كبيرة نتيجة اندفاع كميات هائلة من المياه نحو المناطق الواقعة أسفل مجرى الليطاني.
في موازاة المخاطر الأمنية، يواجه سد القرعون أزمة بيئية خطيرة تُعدّ من أكبر التحديات التي تهدده منذ سنوات، بعدما تحولت بحيرته إلى واحدة من أكثر المسطحات المائية تلوثاً في لبنان بسبب تدفق مياه الصرف الصحي والنفايات الصناعية والمخلفات الزراعية إلى نهر الليطاني.
وقد أدى ذلك إلى انتشار الطحالب السامة وتراجع نوعية المياه والثروة السمكية، وانعكست تداعياته على الصحة العامة والقطاع الزراعي والبيئة المحيطة.
كما أن عمر السد الطويل وحاجته الدائمة إلى الصيانة والتحديث يطرحان تحديات تقنية إضافية، خصوصاً مع وقوعه في منطقة قريبة من صدوع زلزالية معروفة في لبنان.
الجمعة (29/5/2026)