طلال المرعبي

نائب ووزير سابق في البرلمان اللبناني ورئيس رابطة النوّاب السابقين.
مواليد عيون الغزلان في عكار في الأول من كانون الأول، السنة 1946.
متأهل من وداد طرابلسي ولهما محمد طارق ونور وبارعة.
ولد طلال المرعبي في عكار وعاش مواكبًا نصف قرن من تاريخ لبنان المعاصر، منتقلاً معه إلى ضفّة القرن الحادي والعشرين بعد مخاض عسير في زمن التحولات الإقليمية والدولية الكبرى. واكب في فتوته، مسيرة اكتشاف العمق الحضاري اللبناني والتجذّر الوطني. وتفاعل بعمق ومطواعية مع القيم الإنسانية والأطر الفكرية المنفتحة، كما التطورات العلمية المعاصرة، متلقيًا روح العصر ممزوجة بأصالة الهوية اللبنانية وديناميكية حضورها في الوجدان الإنساني والدولي.
رغم أجواء التفرقة الطائفية التي جزأت الجغرافيا اللبنانية، لم يرض طوال سنوات الحرب وما تلاها، إلا أن يكون قريبًا من كل اللبنانيين.
ينتسب إلى عائلة جمعت إلى العراقة التاريخية، أصالة الانتماء الوطني والإسلامي. والده خالد بك عبد القادر المرعبي سياسي، نائب عن عكار منذ عام 1934.
تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة الآباء الكرمليين في طرابلس والتكميلية والثانوية في معهد الرسل في جونية. توزّع تحصيله الجامعي بين جامعة القديس يوسف وجامعة بيروت العربية، وأنجزه حائزًا الإجازة في الحقوق.
إنتخابه وهو طالب جامعي رئيسًا لطلاب شمال لبنان لم يكن نشاطه الوحيد في فترة فتوته، فهو ومنذ نشأته ينشط في الجمعيات الثقافية والمنتديات الاجتماعية التي عرفته عضوًا خلوقًا بل مؤسسًا وقياديًا بارزًا ترك فيها أعمق الآثار وأغزرها.
انطلقت أولى تجاربه في العمل الثقافي والاجتماعي والرياضي في العام 1970، يوم أسس نادي عكار للشباب، مطلقًا العديد من الأنشطة والفعاليات التعليمية والاجتماعية والصحية والرياضية.
ناشط اجتماعي حيوي الحركة، وباحث رصين متحرر في تفكيره، منفتح على الحضارات يتقبّل تناقضاتها ويتفهّم خصوصياتها. حمل لواء النهضة وعمل في سبيل تنمية بلدته وجوارها ورفع حالة الحرمان والتخلّف التي عانت منها.
وهو إلى ذلك محامٍ ناجح تبحّر في علم القانون، وغاص في أعماقه ليصبح وبفترة وجيزة مرجعًا موثوقًا وافر المعرفة والإطلاع.
نصف قرن من العطاء في حقل القانون والحقوق، تلك هي خلاصة مسيرة المحامي طلال المرعبي.
واقع الحرمان الذي تلمسه في أكثر من منطقة لبنانية، ترك لديه أعمق الأثر وولّد في داخله حسًا إنسانيًا تجلى في درجة اهتمامه بتحسين أوضاع المجتمع اللبناني عمومًا وتنميته. كما أن تداعيات الوضع اللبناني خلال الأحداث وتخلّف موقع بيروت على مستوى العالم العربي والعالمي، دفعا به إلى البحث الدائم عن وسائل ناجعة تصلح هذا الخلل وتعيد الأمور إلى نصابها المألوف.
دخل المعترك السياسي منذ السبعينيّات من خلال الترشّح إلى الانتخابات النيابية. كان يتطلّع، بداية، نحو تمتين أسس المواطنة وقيام الدولة وتطوير مفهومهما وتصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتتويجها بالشفافية والموضوعية والتمثيل الصحيح.
وكان يحرص على تقديم الغالي والنفيس في سبيل صيانة استقلال لبنان وسيادته وتحصين مستقبل أبنائه ودعم كل سياسة تهدف إلى تطوير مقومات الحياة فيه.
ليست السياسة عالمًا غريبًا عن مسيرته الوطنية ولفظة "بك" تقترن باسمه منذ يفاعه وفق الأعراف والتقاليد وانسجامًا مع شخصيته القيادية. وهو مناضل سياسي، كافح طويلاً خلال الحرب وفي الفترة اللاحقة لها، من أجل إحداث تغيير في الواقع السياسي نحو حالة ثابتة من الاستقرار والنهضة والعصرنة.
كما في القانون كذلك في السياسة، إمتلك طلال المرعبي قراءة تحليلية تخطّت ظواهر الوقائع لتلامس الحقائق بعمقها وجوهرها. ففي تحليله للوضع اللبناني تشخيص دقيق وترسيم للمعطيات. ولعل السبب يكمن ليس فقط وراء سعة اطلاعه ودقة المتابعة التي يتحلى بها، بل أيضًا خلف تجرده وموضوعيته وصدقية وطنيته التي تستمد جذورها من تاريخ نضاله الذي سعى طيلة حياته في سبيل تحريره من كل قيد فئوي أو جدلية مذهبية أو التزام عقائدي ضيّق.
مع التزامه قضية الدفاع عن لبنان أرضًا وشعبًا وحضورًا حضاريًا، رفض كل تفرقة عنصرية او طائفية، ورأى في التنوّع ثروة إنسانية تضفي على المجتمع جاذبية وتمنحه مطواعية في مواجهة كل ظواهر الانحطاط التي يتخبط بها العالم اليوم.
انتخب نائبًا عن محافظة الشمال في قضاء عكار في دورة السنة 1972، فدخل البرلمان وهو الأصغر سنًا بين النواب المنتخبين.
في المجلس النيابي، شغل عضوية عدد من اللجان البرلمانية أبرزها الاقتصاد الوطني والتجارة والتخطيط وصناعة والنفط، والمال والموازنة، والدفاع الوطني والداخلية، ومقررًا للجنتي الزراعة، والأشغال العامة والنقل، ورئيسًا للجنة الإسكان والتعاونيات وشؤون المهجرين، وأمينًا للسر في هيئة مكتب المجلس. قدّم العديد من اقتراحات القوانين واللوائح ومعظمها يتعلق بشؤون الطلاب والعمال وتحسين وضع الموظفين الحكوميين.
عرفه أبناء الشمال مرجعًا صادقًا لم يتردد يومًا في متابعة أبسط مطالبهم وقد ساهم في بلورة العديد من المسائل وتدبير الكثير من الأمور بما يمتلك من علاقات عامة واحترام وتقدير من الجميع لاسيما من الجهات الرسمية على اختلافها.
مع تسارع وتيرة الحرب في لبنان وفتكها بكل مقومات المجتمع، عانت بلدته وقضاء عكار عمومًا، شأنهما شأن سائر المناطق، من مرارة الإهمال. خلال هذه الفترة، صبّ جهوده من أجل التخفيف من مأساة أبناء بلدته ومنطقته، فقام بمبادرات إنمائية ونشاطات وخدمات إنسانية عدّة. كما عمل على تدعيم الوحدة الوطنية وتجنيب أبناء منطقته الإقتتال الطائفي.
أثّرت الحرب بشكل واضح في خياراته الإنسانية ومفهومه للحياة والوطن والعلاقات الدولية. وقد تبلورت هذه الخيارات من خلال التزامه الموضوعي والوطني في مسألة النهوض بكل القطاعات.
عمل طوال الحرب على محورين أساسيين، الأول تمحور حول المشاركة في وضع استراتيجية طوارئ تبقي بلدته وعكار عمومًا في حالة نهوض مستمر، لا تتأثّر بالتداعيات المأساوية كافة، وقد استفاد من مواقعه المسؤولة كي يكرّس الجزء الأكبر من وقته واهتماماته في سبيل تخفيف وطأة الحرب عن كاهل أبناء مجتمعه، داعمًا كل مبادرة تصب في خانة حماية العائلة وتوحيدها ومساعدتها في مواجهة الصعاب التي تتصداها والمشاكل التي تعترضها.
أمضى طلال المرعبي حياته في عكار حيث يسيطر الحرمان في بيئة يتملكها الإهمال ومنطقة منسية من الدولة اللبنانية رغم ما تحتضنه من رجالات وكوادر وأدمغة وثروات إنسانية.
إحتاجت عكار إلى تنمية شاملة ومشاريع إنمائية كبرى، فلم يتأخر في الدفع في اتجاه تطوير المجتمع وبناء المستشفيات والمدارس الحكومية وإنشاء طرق حديثة ومرافق المياه ومراكز الهاتف ومحطات لتوليد الطاقة.
أما المحور الثاني فتمثّل في نشاطه كمشرّع ذي خلفيةِ محام وباحث في القانون والحقوق حيث أغنى البرلمان اللبناني بمجموعة من التشريعات التي أدخلت لبنان آفاق الحداثة والعصرنة.
وقف دائما مدافعًا عن استقلال لبنان ووحدته وسيادته، ضد مؤامرة التقسيم التي حاول العديد من الدول الأجنبية فرضها. وفي هذا الإتجاه، أنشأ جبهة المواجهة الوطنية للزود عن السلم الأهلي.
شأنه شأن العديد من وجوه التغيير السياسي والاجتماعي الذين برزوا في أواسط القرن العشرين، ناهض كل التجاوزات والإنحرافات السياسية والأمنية.
جاهد مع شخصيات وطنية صديقة لوقف الحرب.
حراكه السياسي كان الهدف منه أساسًا المساهمة في تقصير عمر الحرب اللبنانية والسهر على الوحدة الداخلية والمساهمة في تأمين المساعدات الضرورية لكل متضرر ومنكوب.
عندما أخذت شرارات الإنهيار تحرق الساحة اللبنانية ويسيطر الفلتان الأمني والتخلف الحزبي، والتقوقع الفئوي، والفساد الإداري، والشلل المؤسساتي، والتردي الأخلاقي، والانقسام العمودي والأفقي في المجتمع اللبناني... لم يتأخر المرعبي في الغوص مجددًا، في عالم السياسة وذلك من باب العمل الوزاري، هذه المرة، حيث أسندت إليه حقيبة وزارة الإقتصاد والتجارة والصحة العامة في السنة 1979، في حكومة الرئيس سليم الحص. وقد حقق نجاحًا في كلتا الوزارتين وكان قريبًا من الرئيس إلياس سركيس، ما سمح له بتجسيد فكره في برامج إصلاحية شاملة.
عرف عن طلال المرعبي اهتمامه بقضايا الناس دون تمييز ولا تردد، فتح قلبه وبيته للقاصي والداني ولاحق كل المطالب التي كانت تحملها إليه الجماهير.
خلال تسلمه الحقائب الوزراية، كافح ظاهرة الحرمان التي خيمت على غالبية اللبنانيين نتيجة سياسات حكومية غير عادلة مارستها الحكومات منذ عهد الإستقلال، وقام بخطوات جبارة أعادت الحياة إلى هذه القطاعات بعد سنوات الحرب المأساوية وكانت للموظفين حصة كبرى في اهتمامته.
نجح في خبرته ومعرفته في التوفيق بين النهوض بالصحة والإستشفاء بيد وباليد الأخرى تطوير الإقتصاد وعصرنته وقد تعاطى مع الملفين بحكمة وشفافية وتوازن لافت.
والجدير بالذكر أنّ له اليد الطولى، كوزير للصحة العامة، في تطوير مراكز العمليات الجراحية والقيام بعمليات القلب المفتوح للمرة الأولى في لبنان الذي أراده أن يسترجع دوره كمستشفى الشرق الأوسط.
ونشير هنا إلى أن وزارة الصحة في عهده كانت تؤمّن ستة ملايين ليرة لبنانية لكل مريض يجري عملية القلب المفتوح مع تخفيض كلفة الجراحة والإستشفاء.
كما أن عهده في وزارة الإقتصاد الوطني يعتبر الأفضل على مستوى التنسيق والعلاقة والتعاون مع غرف التجارة والصناعة.
في زمن تردّى فيه المستوى السياسي الذي تحكّم بالبلاد تحرّك انطلاقًا من قناعاته الوطنية والقومية والإنسانية نحو وطن يعيش فيه الإنسان حياة كريمة متساويًا مع أخيه في المواطنية يحظى بكل حقوقه في ظل من تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. ولم يفرق بين الشعب اللبناني؛ وقد خدم الجميع مسيحيين أو مسلمين بلا استثناءات، وخدم جميع المناطق.
شارك في مؤتمر الطائف الذي أنهى الحرب في لبنان، والمنعقد في المملكة العربية السعودية، في السنة 1989 وكان أحد أعضاء لجنة الصياغة فيه. عمل بجد مع الرئيس حسين الحسيني والأعضاء الستة عشر الآخرين من أجل الوصول إلى التعديلات الدستورية اللازمة التي يجب إجراؤها في سياق سياسي تباركه المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية والولايات المتحدة.
لقد تعاطى مع وثيقة الطائف كأساس لانطلاقة دولة العدالة والسلم الأهلي، وهو لم ير في مفهوم السلطة المنبثقة عنها هدفًا لذاتها بل أداة لبناء هذه الدولة العصرية وهو ما يغيب عن طروحات معظم الأفرقاء اللبنانيين سواء الذين قبلوا باتفاق الطائف أو الذين عارضوه.
أصر المرعبي على العودة إلى لبنان مع عائلته بعد اتفاق الطائف رغم التهديدات التي تلقاها.
أثناء وجوده في الطائف تعرّف على الرئيس رفيق الحريري، وعمل معه بعد انتخابه رئيسًا للوزراء في مشاريع إعمار لبنان وعاصمته بيروت.
عندما لاحت في الأفق اللبناني أطياف الإعمار والإنماء بعد انحسار موج الحرب الهادر، عاد اسمه إلى واجهة المشهد اللبناني، خصوصًا لمساعيه الحثيثة في سبيل إحداث تغيير جوهري في الأساليب التقليدية المعتمدة في لبنان في إدارة اقتصاده، رافعًا راية اعتماد أساليب جديدة وسنّ تشريعات حديثة تواكب العصر وتعالج جذريًا الواقع الاقتصادي المتردّي.
برلمانيًا، نشط في إطار كتلة نواب عكار النيابية وفي التكتل النيابي المستقل، وشارك في العديد من المؤتمرات البرلمانية العربية والدولية.
إلى ذلك كان عضوًا في اللقاء الإسلامي الذي ترأسه مفتي الجمهورية الشهيد الشيخ حسن خالد، عاملاً مع سماحته في لم الشمل الإسلامي.
من موقعه هذا عمل في سبيل رعاية القيم الوطنية والإسلامية ومعالجة كل أضرار الطائفية على مسيرة نهوض الوطن. وقد عبّر في أكثر من مناسبة عن انتقاد للتطرّف والتمييز الطائفي مظهرًا السُّنّةَ في لبنان كركن محوري في واقعه كما في مسيرته التاريخية، وتراثهم أساسي في تكوين هوية هذا الوطن حيث يعيش المسلمون والمسيحيون في ظل بنية اجتماعية واحدة.
تربى طلال المرعبي في دار اعتمد الإعتدال والتعقل نهجًا في تعاطيه مع مسائل الوطن. وكان في كل مناسبة يجمع في منزله مرارًا مختلف المرجعيات اللبنانية سعيًا للعبور سوية نحو مصالحة عملية ووطن حاضن للجميع.
تعامل مع اللبنانيين جميعًا على قدم المساواة وزرع في مجلس الوزراء كما في الندوة النيابية بذور فلسفة للوحدة الوطنية وأمام كل مشكلة فرضت نفسها على الساحة اللبنانية والإقليمية والدولية، كان يسجّل موقفًا ينبع من فكره الحر وحسّه الوطني والقومي والإنساني ونزعته الدائمة نحو الخير والتغيّر والتحرر والتنمية والعدالة.
كان وما زال هاجسه الأول والأخير ترسيخ السلم الأهلي في لبنان على أسس متينة لا خطر على زعزعتها أيّا تكن المعطيات.
إقترن عمله السياسي بروح اجتماعية مصبوغة بحالة إنسانية مما ضاعف من شعبيته، الأمر الذي ساهم في رفع نسبة المؤيدين له والمقترعين لاسمه في الانتخابات النيابية رغم أنه خاض بعض المعارك منفردًا.
عاد في السنة 1992، وترشّح للنيابة فجدد أبناء الشمال الثقة به وانتخبوه نائبًا في البرلمان ثم أعادوا تجديد هذه الثقة في انتخابات العام 1996 حيث حاز العدد الأكبر من الأصوات.
ترأس لجنة المهجرين البرلمانية وكذلك لجان الصداقة اللبنانية - الإيطالية واللبنانية اليابانية.
محاضر المجلس النيابي تزخر بمداخلات أعطاها ومشاريع قوانين ساهم في ولادتها ومواقف وطنية تناولت مختلف المسائل ولامست كل القضايا.
عمل فور عودته إلى المجلس النيابي على تصفية القلوب وإزالة النفور وتقريب وجهات النظر بين الكتل النيابية من أجل العمل البنّاء. وقد أثار في مجلس النواب مشاريع عدة ذات طابع اقتصادي واجتماعي وأنشأ كتلة التكافل الوطني المستقل مع مجموعة من النواب والوزراء بمن فيهم الوزراء سليمان فرنجية وطلال أرسلان وفريد الخازن وغيرهم.
حاول أن يعمل لاتصالات إسلاميّة مسيحيّة يلتقي في إطارها اللبنانيون وتؤسس مستقبلاً لما يمكن أن يكون حلفًا ثابتًا يهدف إلى توحيد اللغة السياسية تسهيلاً لعملية المصالحة الوطنية. في هذا الإطار، إنطلق أولاً في تأسيس حركة القرار اللبناني في 14 تشرين الأول 2012.
يعود له الفضل في إعادة إحياء رابطة النواب السابقين في لبنان وهو اليوم يترأسها مساهمًا في جعلها منصة لإرساء مرتكزات سياسية تملأ فراغًا كبيرًا في الحياة الوطنية في هذه المرحلة العصيبة والدقيقة وغير المسبوقة التي يعيشها لبنان.
يتمتع المرعبي برؤية ثاقبة ويغلب في آرائه المنطق والعلم.
يخاطب اللبنانيين جميعًا بأفكاره الإصلاحية.
يرفض الفساد والروتين والرجعية والعنصرية ويؤيّد كل مسعى هادف إلى تكريس حقوق الإنسان وتحصينها، مطالبًا بتعزيز القضاء وباستقلاليته وإبعاد السياسة والسياسيين عن التدخل فيه، وبتعزيز فصل السلطات وإصلاح العملية الانتخابية. يتمسك بالديمقراطية نظامًا يؤمّن العدالة وتكافؤ الفرص كما يدعو إلى توسيع المساحة العامة غير الطائفية للمواطنين.
يعترف بدور المرأة الأساسي في المجتمع ويدعوها للمشاركة في صناعة القرار السياسي.
يشجّع كل حوار بين الدولة ومختلف الطاقات اللبنانية، ويطالب بإدارة مرنة وفاعلة، وبترشيد حجم الدولة ومواجهة العجز المتنامي.
واكب طلال المرعبي الجمهورية اللبنانية في مسيرتها على امتداد نصف قرن، فعاينها بعدما سلخت عنها ثوب الانتداب وتحرّرت مستقلة. عايشها وهي تنهض باقتصادها ومؤسساتها وتتقمص صورة سويسرا الشرق ورافقها في زمن الحرب الباردة وهي تقف في وسط حلبة الصراع العربي الإسرائيلي والأميركي السوفياتي. ثم دخل معها نفق الحرب القاتم السواد وخرج معها إلى آفاق الإنماء والإعمار والفجر الموعود من سطور اتفاق الطائف.
في أحلك المراحل التي مرّ بها وطن الأرز، وقع الخيار عليه للمساعدة بخبرته وجرأته وصدقية انتمائه الوطني في عملية تضميد جرح المجتمع اللبناني الممزّق.
من خلال توليه مهماته، وبعينه الساهرة، شارك في تنفيس كل احتقان، وإخماد براكين المؤامرات، متخذًا من القانون مظلّة عمل في سبيل تمددها على طول مساحة جغرافيا الوطن، وبسط ظلّها على مجموع الشعب اللبناني دون تحيّز أو تمييز أو تفرقة. وهو لا يزال حتى اليوم محافظًا على المبادئ الوطنية التي تبنّاها طيلة حياته، وهو يتمسك بها تمسّكه بوطنه وعائلته...
النائب والوزير السابق طلال المرعبي مرجع في السياسة. خدم الحقيقة طيلة نصف قرن، متخطيًا بجرأة وثبات، مختلف القيود التي حاولت أن تكبّل مؤسسات الدولة، بما فيها الندوة البرلمانية.
بصماته شديدة البروز في التشريع اللبناني، وصدى آرائه يعكس اعتداله ونزاهته ووطنيته المتجردة.
سياسي جريء شرّف البرلمان بتاريخه ومواقفه، لا سيما وأنّه في أحلك المراحل، لم يتأخّر في تولي المهمات الصعبة والنظر في القضايا ذات المواضيع الحساسة والمسائل المحرجة، واضعًا كفاءته في خدمة الوطن وجاعلاً سيادة القانون هدفًا رئيسًا، رسّخ من خلالها مفهوم دولة المؤسسات السيدة والعادلة في إطار الجمهورية اللبنانية المستقلة.
يبقى طلال المرعبي عنوانًا مشرقًا في تاريخ الحياة البرلمانية اللبنانية ومسيرة الديمقراطية في لبنان. حضور أمثاله في عمق الحياة السياسية يضفي عليها هالة من الإتزان والواقعية والشفافية والثبات في وقت تعصف الأعاصير في الواقع اللبناني من كل حدب وصوب.
(إعداد: أنطوان فضّول)